مقامرة دمشق العسكرية تغيّر معادلة الشرق

2026.01.25 - 09:47
Facebook Share
طباعة

 شهد شمال شرقي سوريا تحولًا لافتًا في موازين القوى خلال أيام قليلة، بعدما نفذت الحكومة السورية تحركًا عسكريًا وسياسيًا وُصف بالسريع والحاسم، أسفر عن فرض وقائع جديدة على الأرض، وأعاد خلط الأوراق في واحدة من أكثر مناطق البلاد تعقيدًا من حيث النفوذ المحلي والدولي.

وبحسب تقرير موسّع لوول ستريت جورنال، اتخذ الرئيس السوري أحمد الشرع قرارًا بالمضي في تحرك محفوف بالمخاطر، متحديًا التحذيرات الأميركية والتداعيات المحتملة، بما في ذلك التهديد بإعادة فرض عقوبات، والمخاوف المرتبطة بسلامة القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة، إضافة إلى ملف معتقلي تنظيم “داعش”.

وأوضح التقرير أن التحرك بدأ بهجوم خاطف استهدف مواقع تابعة لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، ما شكّل اختبارًا مباشرًا لقدرة دمشق على تغيير الواقع الميداني في منطقة لطالما اعتُبرت خارج السيطرة الحكومية المباشرة. ورغم التوقعات بأن المواجهة قد تطول، فإن النتائج جاءت أسرع مما كان متوقعًا.


انشقاقات داخل “قسد” وتراجع ميداني
أحد أبرز العوامل التي ساهمت في هذا التحول كان حدوث انشقاقات داخل “قوات سوريا الديمقراطية”، ولا سيما في صفوف الفصائل العربية المنضوية ضمنها. ووفق التقرير، نجح مقربون من القيادة السورية في إقناع هذه الفصائل بالانفصال عن “قسد” والانضمام إلى الحكومة، ما أدى إلى تفكك سريع في بنية القوات وانسحابها من مساحات واسعة في شمال شرقي البلاد.

هذا الانهيار السريع طرح تساؤلات جدية حول مستقبل “قسد” ودورها، ليس فقط على المستوى المحلي، بل أيضًا بالنسبة للوجود العسكري الأميركي، الذي اعتمد عليها لسنوات شريكًا أساسيًا في إدارة الملف الأمني ومكافحة تنظيم “داعش”.


تداعيات على الوجود الأميركي
وأشار التقرير إلى أن كبار المسؤولين العسكريين الأميركيين يناقشون حاليًا احتمالات أوسع لإعادة النظر في الوجود العسكري في سوريا، بعد أكثر من عقد من الانتشار هناك. فإضعاف “قسد” أو تفككها يضع علامات استفهام حول جدوى استمرار القوات الأميركية في بيئة تتغير معالمها بسرعة.

وفي هذا السياق، لفت التقرير إلى أن الإدارة الأميركية أبدت في الفترة الأخيرة انفتاحًا ملحوظًا تجاه الحكومة السورية، وكانت تبحث منذ مدة عن مخرج من التعقيد السوري، بما في ذلك خطة انسحاب تدريجي للقوة الأميركية المحدودة المتبقية.

ونُقل عن الرئيس الأميركي إشادته بما وصفه بـ”التقدم الكبير” الذي تحقق على الأرض، معتبرًا أن القيادة السورية باتت أقرب إلى جمع خيوط المشهد المعقد في البلاد.


كسر الجمود السياسي
وجاء التحرك العسكري ليكسر حالة الجمود التي خيمت لأكثر من عام على المفاوضات غير المباشرة بين دمشق و”قسد”. فبحسب التقرير، كانت المحادثات تدور حول دمج “قسد” في الجيش السوري الجديد، إلا أن الخلافات تمحورت حول مطلب الإبقاء على الحكم الذاتي والاحتفاظ بالبنية العسكرية الخاصة بالقوات.

ورأى التقرير أن الحسم الميداني غيّر قواعد التفاوض، إذ أزال العديد من نقاط الخلاف عمليًا، كما حدث في محطات سابقة من الصراع السوري، حيث سبقت الوقائع العسكرية التفاهمات السياسية.


دور العشائر والسيطرة على مفاصل استراتيجية
ولم يكن العامل العسكري وحده هو الحاسم، إذ أشار التقرير إلى أن التحرك اعتمد بدرجة كبيرة على البعد السياسي والاجتماعي. فقد لعبت العشائر العربية في شرقي سوريا دورًا محوريًا في تسهيل تقدم القوات الحكومية، مستفيدة من علاقات ممتدة مع شخصيات بارزة في مؤسسات الدولة تنحدر من المنطقة نفسها.

وساهم هذا الدور في السيطرة على مواقع استراتيجية، من بينها حقول نفط رئيسية، إضافة إلى منشآت حيوية على نهر الفرات، ما عزز المكاسب الميدانية وأضعف قدرة “قسد” على إعادة تنظيم صفوفها.

ونقل التقرير عن محللين أن استخدام العشائر لفرض وقائع على الأرض، دون زج مباشر وكثيف للجيش في البداية، أدى إلى انهيار سريع لقوات “قسد”، لا سيما في مناطق مثل الرقة ودير الزور، حيث جاء الانسحاب بشكل وُصف بأنه “كارثي” بالنسبة لها.


مخاطر وتحديات قائمة
ورغم هذه المكاسب، حذّر التقرير من أن السيطرة على شمال شرقي سوريا لا تخلو من مخاطر، إذ أثار التحرك تعبئة في أوساط بعض المكونات الكردية داخل سوريا وخارجها، ما ينذر بتوترات محتملة على المدى المتوسط.

كما يخلق المشهد الجديد حالة من عدم اليقين للقوات الأميركية المنتشرة في عدد من القواعد، خاصة في ظل حوادث أمنية رافقت التحرك، من بينها إسقاط طائرة مسيّرة قرب إحدى القواعد، وتبادل إطلاق نار في محيطها.


ملف معتقلي “داعش”
وفي ختام التقرير، أُشير إلى أن الولايات المتحدة بدأت نقل آلاف من معتقلي تنظيم “داعش” من مرافق الاحتجاز في شمال شرقي سوريا إلى العراق، خشية حدوث فوضى أو عمليات فرار في ظل التغيرات السريعة. ومن المتوقع أن تتولى السلطات العراقية مسؤولية احتجاز الجزء الأكبر من هؤلاء المعتقلين.

ويعكس هذا التطور حجم القلق الدولي من تداعيات أي فراغ أمني محتمل، ويؤكد أن التحولات الجارية في شمال شرقي سوريا تتجاوز حدود البلاد، لتطال توازنات إقليمية ودولية أوسع.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 9