أثار تعميم صادر عن وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي موجة جدل واسعة، بعد أن قدّم توجيهات للبعثات الدبلوماسية في الخارج بشأن السياسة الخارجية للبنان، تجاوزت صلاحياته الرسمية وحاولت محاكاة مواقف حزب «القوات اللبنانية» وبعض رؤى رئيس الحكومة نواف سلام.
صدر التعميم في الثاني من كانون الثاني الجاري، وطلب من السفراء والقناصل الالتزام بمضمونه في جميع المحادثات والاتصالات الرسمية. ومن أبرز ما تضمنه التعميم، فصل موضوع حصر السلاح بيد الدولة عن الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان، ما يعد مسًّا بحق لبنان الطبيعي في الدفاع عن أراضيه ومواطنيه.
كما حثّ التعميم البعثات اللبنانية على اعتبار خطة حصر السلاح مسألة إجرائية بحتة، دون التطرق إلى الجوانب الشائكة المرتبطة بها، في محاولة، بحسب مراقبين، لتقديم صورة غير دقيقة عن الوضع اللبناني أمام المجتمع الدولي. وأضاف التعميم أن التعاون مع هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة «أنتسو» هو الخيار الأمثل، رغم أن الحكومة لم تصدر أي قرار رسمي بهذا الشأن.
اللافت أن التعميم لم يتضمن أي ذكر لكلمة «عدو»، كما غاب أي موقف بشأن محاسبة إسرائيل عن الاعتداءات المستمرة على لبنان. وهو ما أثار انتقادات داخلية، خاصة أن القرار يقف على مفترق حساس بالنسبة للسيادة الوطنية اللبنانية، وسط تحديات متزايدة في المنطقة.
وبحسب مصادر ديبلوماسية، لم يصدر منذ فترة طويلة تعميم مماثل يتضمن توجيهات سياسية من هذا النوع، وهو ما يجعل خطوة رجي استثنائية وتثير علامات استفهام حول الدوافع والأهداف.
ويفصل التعميم بين حصر السلاح ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، معتبرًا أن هذين الأمرين غير مرتبطين، وأن الانسحاب الإسرائيلي ليس شرطًا لتنفيذ خطة الجيش. هذا الموقف يتعارض مع 35 عامًا من السياسات اللبنانية السابقة، التي اعترفت بشرعية المقاومة المسلحة في مواجهة إسرائيل واعتبرت السلاح وسيلة دفاع عن الدولة، كما كان حال خطة الحكومة اللبنانية في بياناتها الوزارية المتعاقبة منذ 1990 وحتى 2025.
كما يتناقض التعميم مع البيان الوزاري للحكومة وورقة أميركية سابقة، التي وضعت التزامات إسرائيل في مقدمة الأولويات، بما في ذلك الانسحاب ووقف الاعتداءات، قبل تنفيذ أي خطوات تتعلق بحصر السلاح بيد الدولة. وبالرغم من أن خطة الجيش اللبناني لم تُقرّ بعد، إلا أن التعميم سبق الحكومة في تحديد مراحل التنفيذ والتعامل مع القضايا الحساسة، بما فيها مهام هيئة «أنتسو» ومزارع شبعا، دون اعتماد الموقف الرسمي للبنان.
وتعكس هذه الخطوة محاولة لرسم سياسة خارجية أحادية الجانب، قد تتناقض مع مواقف الدولة اللبنانية الرسمية، بما فيها تصريحات رئيس الجمهورية جوزيف عون حول التزامات إسرائيل، وتأكيدات قائد الجيش حول مشروعية ربط حصر السلاح بوقف الاعتداءات. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تضر بالموقف اللبناني الرسمي في المحافل الدولية، وتفتح الباب أمام انتقادات حول عدم الاتساق بين الحكومة ووزارة الخارجية.
في ظل هذه التطورات، يبرز السؤال حول قدرة الدولة اللبنانية على المحافظة على موقف موحد في مواجهة التحديات الإقليمية، وما إذا كان التعميم سيؤدي إلى انقسامات داخلية أو ضعف في تمثيل لبنان على المستوى الدولي. فالسياسة الخارجية اللبنانية، بحسب الخبراء، يجب أن تعكس موقف الدولة بالكامل، وليس موقف شخصية وزارية أو حزبية معينة.
خلاصة الأمر، أن تعميم رجي أثار جدلًا واسعًا حول حدود صلاحيات وزير الخارجية، ومسؤولياته تجاه الموقف اللبناني الرسمي، وما إذا كان يمكن للوزارة رسم سياسة خارجية منفردة، في وقت يحتاج لبنان إلى موقف موحد لحماية سيادته ومصالحه الوطنية.