تشير البيانات الرسمية لعام 2025 إلى نقطة فارقة في التاريخ الديموغرافي الفرنسي: فقد تجاوز عدد الوفيات عدد المواليد للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هذا التحول يعكس أزمة هيكلية أعمق في المجتمع الفرنسي، تتعلق بالشيخوخة السكانية وتراجع الخصوبة، ويفرض تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية متشابكة.
أبعاد ديموغرافية:
تبلغ نسبة السكان فوق 65 عامًا حوالي 22.2%، وهي قريبة جدًا من فئة الشباب دون 20 عامًا (22.5%) هذه المقارنة تكشف عن تراجع نسبة الشباب مقارنة بكبار السن، يعني ضغوطًا متزايدة على نظام الرعاية الصحية والتقاعد، بالإضافة إلى تحوّل تدريجي في شكل الهرم السكاني يُتوقع أن تتسارع هذه الظاهرة خلال العقد المقبل، ليصبح كبار السن أكثر من ربع السكان بحلول منتصف القرن، مع زيادة حادة في أعداد من تتجاوز أعمارهم 75 عامًا.
الاختلافات الإقليمية تظهر بوضوح؛ ففي دوردونيه، يُتوقع أن تصل نسبة كبار السن إلى 42.68% بحلول 2050، مقابل 18.5% في ضواحي باريس الشمالية، تبين التحديات متفاوتة على مستوى توزيع الموارد والخدمات العامة.
انخفاض الخصوبة وأثره:
معدل الخصوبة في فرنسا انخفض إلى 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أدنى مستوى منذ الحرب العالمية الثانية، وأقل من الحد المطلوب لضمان استدامة التمويل التقاعدي (1.8 طفل لكل امرأة) هذا الانخفاض يُظهر تأثيرات طويلة الأمد لجائحة كورونا، إضافة إلى تغيّر أنماط الحياة وتأخر الإنجاب، يضع فرنسا في موقف حساس مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي الأخرى.
الآثار الاقتصادية والاجتماعية:
تجاوز عدد الوفيات المواليد يعني تآكل القوة العاملة تدريجيًا، ما يرفع المخاطر على الإنتاجية والنمو الاقتصادي. ومن المتوقع أن يتزايد الإنفاق العام على التقاعد والرعاية الصحية، بينما تتقلص القاعدة الضريبية بسبب انخفاض عدد السكان في سن العمل، كما أن الضغط على سوق العمل سيزداد مع تقاعد أعداد كبيرة من جيل "طفرة المواليد" (مواليد 1946–1965)، ما قد يؤدي إلى نقص في اليد العاملة المؤهلة.
البعد السياسي والاستجابة الحكومية:
على الرغم من وضوح هذه الاتجاهات منذ سنوات، لم تتخذ الحكومات الفرنسية المتعاقبة سوى خطوات محدودة لمعالجتها الإصلاحات، مثل تعديل نظام التقاعد عام 2023، لم تركز على مواجهة الشيخوخة السكانية بشكل مباشر، فيما دعا الرئيس ماكرون إلى "إعادة تسليح ديموجرافي" عبر حوافز للإنجاب، لكنها لا تكفي لمواجهة آثار التحول الديموغرافي العميقة.
تواجه فرنسا مرحلة مفصلية من التغير السكاني، حيث يتقاطع ارتفاع الوفيات مع انخفاض المواليد، في سياق تضخم الفئة العمرية المتقدمة هذه الظاهرة لن تؤثر فقط على البنية الاجتماعية والاقتصادية، بل ستشكل تحديًا استراتيجيًا للسياسات العامة في المستقبل، ما يجعل مواجهة الشيخوخة السكانية وتحفيز الخصوبة أولوية وطنية عاجلة.