اختُتمت الجولة الخامسة من المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل في العاصمة الفرنسية باريس، في 7 من كانون الثاني الجاري، بعد توقف استمر قرابة شهرين، وسط حديث متزايد عن تحقيق “اختراق أولي” في مسار التفاوض، دون أن يصل إلى مستوى اتفاق سلام أو تطبيع سياسي بين الجانبين.
ووفق ما أُعلن عقب الجولة، اتفق الطرفان على رفع وتيرة الاجتماعات المقبلة، وعقد لقاءات أكثر انتظامًا، إلى جانب اتخاذ إجراءات تهدف إلى بناء الثقة المتبادلة، في خطوة تعكس رغبة مشتركة في ضبط التوتر وإدارة الصراع بدلًا من الذهاب إلى حلول نهائية في المرحلة الراهنة.
خلية اتصال وتفاهمات أمنية
أبرز ما أسفرت عنه محادثات باريس، كان الاتفاق على إنشاء خلية اتصال مشتركة لتبادل معلومات استخباراتية، إضافة إلى التفاهم على وقف الأنشطة العسكرية الإسرائيلية في جنوبي سوريا. وجاء ذلك في بيان مشترك أمريكي–إسرائيلي–سوري، أكد أن مسؤولين كبارًا من الطرفين التقوا في باريس، وشددوا على التزامهم بالتوصل إلى ترتيبات دائمة تضمن أمن واستقرار البلدين.
وفي السياق ذاته، نقلت وسائل إعلام غربية عن مسؤول أمريكي قوله إن واشنطن اقترحت إنشاء “خلية دمج” سورية–أمريكية–إسرائيلية في العاصمة الأردنية عمّان، تكون مهمتها الإشراف على الوضع الأمني في الجنوب السوري، واستضافة جولات إضافية من المحادثات تتعلق بملفات نزع السلاح وانسحاب القوات الإسرائيلية.
وبحسب الطرح الأمريكي، يفترض أن تشكل هذه الخلية منصة لمعالجة أي خلافات طارئة بسرعة، ومنع الانزلاق نحو مواجهات غير محسوبة، في مؤشر على سعي الأطراف لفتح صفحة جديدة في إدارة الملف الأمني، وإن بقيت القضايا السيادية الكبرى خارج التفاهم.
عقدة الانسحاب الإسرائيلي
رغم هذا التقدم، لا تزال قضية الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي سيطرت عليها بعد سقوط النظام السوري في كانون الأول 2024، تشكل العقدة الأساسية في المفاوضات. فقد أكد مسؤولون إسرائيليون مرارًا تمسكهم بالبقاء في النقاط الاستراتيجية، وعلى رأسها قمة جبل الشيخ، باعتبارها جزءًا من عقيدتهم الدفاعية الجديدة بعد هجوم “7 أكتوبر”.
وترى إسرائيل أن أمنها القومي يقتضي إنشاء مناطق عازلة على حدودها مع غزة ولبنان وسوريا، بما يضمن إبعاد أي تهديد محتمل عن عمقها الداخلي، وهو ما تعتبره دمشق مساسًا مباشرًا بسيادتها.
في المقابل، تشدد الحكومة السورية على رفض الدخول في أي تفاهمات استراتيجية قبل انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل “خط 8 كانون الأول”، معتبرة أن أي نقاش سياسي لا يمكن أن يتم دون جدول زمني واضح وملزم لإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي السورية.
إدارة الصراع لا حله
يرى محللون سياسيون أن المفاوضات الحالية لا تهدف إلى سلام شامل، بل إلى صيغة “إدارة صراع” تقوم على التهدئة وضبط الاشتباك. فالمطالب الجوهرية للطرفين لا تزال متعارضة، كونها مرتبطة بقضايا سيادية وحدودية تشكل جوهر الصراع.
ويُرجح أن تشهد المرحلة المقبلة تفاهمات وظيفية جزئية، قد تفتح الطريق لاحقًا أمام مناقشة ملفات الحل النهائي، دون أن يعني ذلك اقتراب توقيع اتفاق سلام أو تطبيع رسمي في المستقبل القريب.
السلام الاقتصادي بدل السلاح
ضمن هذا السياق، عاد الحديث عن مفهوم “السلام الاقتصادي” ليطفو على السطح، كأحد المسارات التي تحاول الولايات المتحدة الدفع بها في الجنوب السوري. وتقوم الفكرة على تحويل المناطق العازلة إلى مساحات اقتصادية منزوعة السلاح، تعتمد على مشاريع تنموية واستثمارية بدل الوجود العسكري المباشر.
وتشمل الطروحات المتداولة مشاريع سياحية، كمراكز تزلج، ومحطات طاقة رياح، وخطوط نقل نفط، ومراكز بيانات، ومنشآت دوائية، يُفترض أن تدر على الاقتصاد السوري مليارات الدولارات، وتوفر آلاف فرص العمل، مع تعزيز القدرة الكهربائية.
غير أن هذا الطرح يثير مخاوف واسعة لدى مراقبين، يرون فيه محاولة لمقايضة الحقوق السيادية بالمكاسب الاقتصادية، وتحويل الجنوب السوري إلى مناطق نفوذ استثماري تُدار بمنطق المصالح لا السيادة الوطنية، ما قد يعيد إنتاج أزمات طويلة الأمد بدل حلها.
تبادل المعلومات وسؤال السيادة
يُعد الاتفاق على تبادل المعلومات الاستخباراتية من أكثر بنود التفاهم إثارة للجدل، إذ يرى منتقدون أن الجهاز الاستخباراتي يمثل خط الدفاع الأول عن سيادة الدولة، وأي شراكة معلوماتية مع إسرائيل قد تفتح الباب أمام اختراقات خطيرة تمس الأمن القومي السوري.
في المقابل، يرى مؤيدو هذا المسار أن تبادل المعلومات سيكون محدودًا بقضايا مشتركة، وعبر وسطاء دوليين، بما يمنع الانكشاف الأمني الكامل، ويوفر في الوقت نفسه ضمانات للحد من التصعيد العسكري.
واقع ميداني يناقض التفاهمات
رغم الإعلان عن وقف الأنشطة العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، سجلت الأيام التي تلت الاتفاق حوادث ميدانية، شملت تفجير منشآت قديمة، وإطلاق نار باتجاه منازل مدنيين، واحتجاز شبان لساعات طويلة، إضافة إلى استمرار التوغلات وإقامة الحواجز بين القرى.
هذه التطورات تطرح تساؤلات جدية حول جدوى التفاهمات المعلنة، وقدرتها على فرض التهدئة على الأرض، في ظل فجوة واضحة بين المسار السياسي والواقع الميداني.
تعكس مفاوضات باريس اختراقًا محدودًا في مسار طويل ومعقد، يقوم على تهدئة مؤقتة وإدارة صراع محسوبة، لا على تسوية شاملة. وبينما تسعى الأطراف الدولية لفرض حلول “واقعية”، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة هذه المقاربة على تحقيق استقرار دائم، دون المساس بالسيادة أو تحويل الصراع إلى ملف اقتصادي بحت.