أثار ما كشفته صحيفة بريطانية عن طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعداد خطة لغزو غرينلاند جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والعسكرية الغربية، ليس فقط بسبب الطابع غير المسبوق للفكرة، بل لما تحمله من تداعيات قانونية واستراتيجية قد تهدد تماسك حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتفتح باب مواجهة غير محسوبة في القطب الشمالي.
بحسب ما نقلته صحيفة ديلي ميل عن مصادر مطلعة، فإن ترامب أمر قيادة العمليات الخاصة المشتركة بوضع خطة عسكرية لغزو غرينلاند، غير أن هذه الخطوة قوبلت بمعارضة شديدة من هيئة الأركان المشتركة وكبار القادة العسكريين الأميركيين، الذين حذروا من عدم قانونية الخطوة، ومن عواقبها السياسية داخليًا وخارجيًا.
اعتراض المؤسسة العسكرية
تعكس معارضة القادة العسكريين انقسامًا واضحًا بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية. فغرينلاند، رغم موقعها الاستراتيجي، هي إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ويتبع مملكة الدانمارك، العضو في حلف الناتو، ما يجعل أي عمل عسكري أميركي ضدها بمثابة صدام مباشر داخل الحلف نفسه.
مصادر دبلوماسية أكدت للصحيفة أن الجنرالات يعتبرون الخطة “غير قانونية” ولن تحظى بموافقة الكونغرس، فضلًا عن أنها قد تُدخل الولايات المتحدة في أزمة غير مسبوقة مع حلفائها الأوروبيين. ولهذا، حاول القادة العسكريون تحويل اهتمام ترامب إلى خيارات أقل كلفة سياسيًا، مثل اعتراض “أسطول الظل” الروسي المستخدم للالتفاف على العقوبات الغربية، أو حتى تنفيذ ضربة عسكرية ضد إيران.
دوافع سياسية داخلية
تحليل التوقيت لا يقل أهمية عن تحليل القرار نفسه. فبحسب دبلوماسيين بريطانيين نقلت عنهم الصحيفة، فإن ترامب قد يكون مدفوعًا برغبته في صرف انتباه الرأي العام الأميركي عن الأداء الاقتصادي المتراجع، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، التي يواجه فيها الجمهوريون خطر فقدان السيطرة على الكونغرس.
ويبدو أن نجاح عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، التي نُفذت مؤخرًا ونُقل بعدها إلى نيويورك مع زوجته لمواجهة اتهامات تتعلق بـ”الإرهاب المرتبط بالمخدرات”، شجع دائرة ترامب الضيقة على الدفع نحو مغامرات خارجية جديدة. مستشارون مقربون من الرئيس، وفي مقدمتهم ستيفن ميلر، اعتبروا أن التحرك السريع في غرينلاند ضروري قبل أي تمدد روسي أو صيني محتمل في القطب الشمالي.
غرينلاند: عقدة الصراع الدولي
الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند لا تنبع فقط من موقعها الجغرافي، بل من كونها بوابة رئيسية للقطب الشمالي، حيث تتقاطع المصالح الأميركية والروسية والصينية. المنطقة تشهد في السنوات الأخيرة تصعيدًا عسكريًا متزايدًا، مع سعي موسكو وبكين لتعزيز حضورهما، سواء عبر القواعد أو عبر النفوذ الاقتصادي.
غير أن اللجوء إلى خيار الغزو أو “الإكراه السياسي”، كما وصفت بعض البرقيات الدبلوماسية، قد يؤدي إلى نتائج عكسية. إذ حذّر دبلوماسيون أوروبيون من أن أسوأ السيناريوهات قد تشمل “تدمير حلف الناتو من الداخل”، في حال استخدمت واشنطن القوة ضد إقليم تابع لدولة عضو في الحلف.
الموقف الأوروبي والبريطاني
في موازاة الجدل الأميركي، كشفت صحيفة التلغراف أن بريطانيا تجري مشاورات مع حلفائها الأوروبيين، من بينهم ألمانيا وفرنسا، حول إمكانية نشر قوة عسكرية في غرينلاند، تشمل جنودًا وسفن حربية وطائرات، بهدف حماية القطب الشمالي وردع روسيا والصين.
الدول الأوروبية تأمل أن يؤدي تعزيز وجودها العسكري إلى إقناع ترامب بالتراجع عن فكرة ضم غرينلاند أو استخدام القوة، في حين أكد مصدر حكومي بريطاني أن لندن تشارك واشنطن القلق من “العدوان الروسي المتزايد”، لكنها تختلف جذريًا معها بشأن أسلوب المعالجة.
بين التصعيد والتسوية
تتحدث البرقيات الدبلوماسية، بحسب ديلي ميل، عن سيناريوهين محتملين:
الأول تصعيدي، يستخدم فيه ترامب القوة أو الضغط السياسي لقطع علاقة غرينلاند بالدانمارك.
والثاني تسووي، توافق فيه كوبنهاغن على منح الولايات المتحدة وصولًا عسكريًا كاملًا إلى غرينلاند، مع تحييد أي نفوذ روسي أو صيني، ووضع الوجود الأميركي القائم أصلًا ضمن إطار قانوني أوضح.
لكن حتى هذا السيناريو الأخير لا يخلو من تعقيدات، إذ يتطلب توافقًا أوروبيًا داخليًا وموافقة سكان غرينلاند أنفسهم، ما يجعل أي حل أحادي الجانب محفوفًا بالمخاطر.
تكشف فكرة غزو غرينلاند عن نمط متكرر في سياسة ترامب الخارجية، يقوم على المفاجأة والمغامرة والضغط الأقصى، حتى على حساب الحلفاء. ومع أن المؤسسة العسكرية الأميركية تحاول كبح هذا الاندفاع عبر تقديم بدائل أقل كلفة، إلا أن استمرار هذا التوجه قد يضع الولايات المتحدة أمام واحدة من أخطر أزماتها الاستراتيجية داخل الناتو منذ تأسيسه.