حلب اختبار الدولة بعد الأسد

2026.01.11 - 09:32
Facebook Share
طباعة

 تناول الكاتب والسياسي التركي ياسين أقطاي في مقال نشرته صحيفة يني شفق التطورات الأخيرة في مدينة حلب، في ضوء فشل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في الالتزام باتفاق 10 آذار، وما أعقبه من عملية عسكرية نفذتها الحكومة السورية، معتبرًا أن ما يجري لا يمكن توصيفه على أنه صراع مع الأكراد، بل هو مواجهة مع تنظيم مسلح يسعى لفرض واقع سياسي وعسكري خاص به داخل الدولة السورية.

ويضع أقطاي هذه التطورات ضمن سياق أوسع يتعلق بمستقبل سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وبمسألة وحدة البلاد ورفض أي مشاريع تقسيم أو كيانات مسلحة خارج سلطة الدولة.


اتفاق لم يُنفذ وتصعيد محسوب
يشير الكاتب إلى أنه رغم انتهاء المهلة المحددة لتنفيذ بنود اتفاق 10 آذار، لم تُقدم “قسد” على اتخاذ الخطوات المطلوبة، بل استمرت، بحسب رأيه، في ما وصفه بالمماطلة، بالتوازي مع هجمات استهدفت مناطق في مدينة حلب.

ويرى أقطاي أن العملية العسكرية التي أطلقتها الحكومة السورية جاءت لتؤكد أن التحذيرات التي وجهت إلى “قسد” لم تكن شكلية، وأن الدولة السورية الجديدة تمتلك القدرة على تنفيذ قراراتها، معتبرًا أن المسألة تتعلق بفرض سيادة الدولة، لا بإدارة أزمة عابرة.


الجيش السوري الجديد: بنية مختلفة ودوافع مختلفة
يخصص الكاتب جزءًا من مقاله للحديث عن طبيعة الجيش السوري الحالي، معتبرًا أنه يختلف جذريًا عن جيش النظام السابق، سواء من حيث التكوين أو العقيدة أو الدوافع.

ويشير إلى أن هذه القوات أسقطت، قبل عام واحد، جيش نظام البعث المدعوم من روسيا وإيران خلال عملية عسكرية استمرت أحد عشر يومًا، لافتًا إلى أن عناصرها يتمتعون بخبرة قتالية تمتد لأربعة عشر عامًا، ومعرفة دقيقة بالجغرافيا السورية، إضافة إلى ما يصفه بدوافع “مشروعة” ومرتكزة على قناعة سياسية وأخلاقية.


العملية في حلب: مواجهة تنظيم لا مكون اجتماعي
بحسب المقال، بدأت العملية العسكرية بعد التأكد من أن “قسد” لن تلتزم بشروط الاتفاق، حيث جرى خلال الساعات الأولى منها تطهير حي الأشرفية في مدينة حلب، بينما اعتبر الكاتب أن السيطرة الكاملة على حي الشيخ مقصود باتت مسألة وقت.

ويؤكد أقطاي أن العملية موجهة حصريًا ضد “قسد” بوصفها تنظيمًا مسلحًا، ولا تستهدف الأكراد كقومية أو مكون اجتماعي، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا من الأكراد يقاتلون ضمن صفوف الجيش السوري، الذي يعتمد على متطوعين من مختلف المكونات.

ويرى أن ربط التنظيم بالهوية الكردية هو خلط متعمد، يهدف إلى تحويل صراع سياسي–عسكري إلى نزاع قومي.


صلاح الدين والجدل حول الهوية
ينتقد الكاتب الخطاب الذي يروج له بعض أنصار “قسد”، والذي يصور العملية العسكرية على أنها مواجهة بين السلطة الجديدة في دمشق و”أحفاد صلاح الدين الأيوبي”.

ويعتبر أقطاي هذا الطرح انتقائيًا ومتناقضًا، متسائلًا عن سبب استحضار إرث صلاح الدين في هذه اللحظة، رغم أن الخطاب القومي الكردي، وفق رأيه، سعى سابقًا إلى الابتعاد عن هذا الإرث لصالح سرديات قومية ضيقة.

ويؤكد أن من يصفهم بـ”أحفاد صلاح الدين” موجودون، بحسب تعبيره، داخل الجيش السوري، ويشاركون في مشروع دولة تقوم على المواطنة لا على الانتماء العرقي.


امتلاك السلاح لا يصنع شرعية
يشدد الكاتب على أن امتلاك قوة مسلحة وفرض السيطرة بالقوة لا يمنح أي طرف حقًا سياسيًا أو شرعية قانونية، معتبرًا أن ما تطالب به “قسد” يتجاوز مفهوم الحقوق الثقافية أو السياسية، ليصل إلى ما يسميه “امتيازًا فائقًا” يتمثل في الاحتفاظ بقوة عسكرية مستقلة داخل دولة واحدة.

ويستحضر أقطاي تجربة تركيا مع محاولات فرض “حكم ذاتي” عبر السلاح، معتبرًا أن نتائجها كانت كارثية على السكان المحليين، الذين تحولت أحياؤهم إلى ساحات قتال، واستخدموا كدروع بشرية، وكانوا في معظمهم من الأكراد أنفسهم.


الدعم الأمريكي والإسرائيلي
يرى الكاتب أن “قسد” لا تستمد قوتها من تمثيل اجتماعي حقيقي، بل من الدعم العسكري والسياسي الذي تتلقاه من الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبرًا أن هذا الدعم لا يمنحها شرعية، بل يضعها في موقع التبعية لمشاريع خارجية.

ويشير إلى أن الذريعة المعلنة لهذا الدعم، والمتمثلة في محاربة تنظيم “داعش”، فقدت مصداقيتها، معتبرًا أن التنظيم استُخدم، بحسب رأيه، كأداة لإعادة تشكيل المشهد الميداني وتبرير الوجود الأمريكي.


التمثيل السكاني ومطلب “الامتياز”
يلفت أقطاي إلى أن المناطق الواقعة شرق الفرات، والتي خُصصت لـ”قسد” ضمن ترتيبات دولية، يشكل العرب الغالبية الساحقة من سكانها، في حين لا تتجاوز نسبة الأكراد فيها 15%، وفق تقديره.

ويؤكد أن المطالب التي تطرحها “قسد” لا تتعلق بالحقوق الثقافية أو الاعتراف بالهوية الكردية، معتبرًا أن هذه الحقوق مكفولة في ظل الإدارة السورية الحالية لجميع المكونات، بل تتعلق بالسعي للاحتفاظ بقوة مسلحة مستقلة والسيطرة على مناطق لا يشكل الأكراد فيها أغلبية.


من الأسد إلى المرحلة الجديدة
يضع الكاتب هذه التطورات ضمن سياق التحول السياسي في سوريا بعد سقوط بشار الأسد، معتبرًا أن رحيل النظام السابق أنهى مرحلة من الحكم القائم على القمع والمخدرات والمجازر، وفتح الباب أمام نظام جديد يرى في جميع المكونات مواطنين متساوين.

ويرى أن سوريا دخلت مرحلة استعادة القرار الوطني، وأن أي مشاريع تقسيم أو فرض كيانات مسلحة خارج الدولة تندرج، بحسب رأيه، ضمن مشروع إسرائيلي أوسع لتفتيت المنطقة.


وحدة سوريا كخيار استراتيجي
يختتم أقطاي مقاله بالتأكيد على أن المطلوب من “قسد” ليس التخلي عن الحقوق الثقافية أو السياسية، بل التخلي عن مطلب الاحتفاظ بسلاح خارج إطار الدولة.

ويؤكد أن الأكراد، وفق رؤيته، سيحظون بحقوقهم ومكانتهم ضمن سوريا موحدة، تقوم على المواطنة المتساوية، بعيدًا عن مشاريع التقسيم، معتبرًا أن المرحلة الراهنة هي مرحلة بناء مستقبل المنطقة بإرادة شعوبها، لا وفق مخططات مفروضة من الخارج.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 1