لبنان والغاز: اتفاقية “توتال” بين مصالح الدولة والاتهامات

2026.01.10 - 11:12
Facebook Share
طباعة

 أثار احتفال السراي الحكومي أمس بتوقيع اتفاقية التنقيب عن الغاز في البلوك 8 بين الدولة اللبنانية وتحالف شركات «توتال» الفرنسية و«قطر للطاقة» و«إيني» الإيطالية، جدلاً واسعًا، إذ يراه مراقبون ليس مجرد خطوة تطويرية في قطاع الطاقة، بل مؤشرًا على تهديد المصالح الوطنية الاستراتيجية للبنان.

فمنذ سنوات، لعبت شركة «توتال» أدوارًا وصفها البعض بالمشبوهة، إذ تسببت في تأخير دخول لبنان نادي الدول المنتجة للطاقة، بالتواطؤ مع أطراف محلية. الاتفاقية الأخيرة تأتي هذه المرة بالتناغم مع وزير الطاقة اللبناني جو الصدّي، ما يعيد فتح النقاش حول القرارات الفردية وتأثيرها على مصالح الدولة.


البداية: مسار ضائع مع TGS
في 5 أيلول 2025، كانت شركة «TGS» النرويجية الأميركية قد أُعلنت المكلفة بإجراء مسح سيزمي للبلوك 8 ضمن «جولة التراخيص الثانية». وكان من المفترض أن يبدأ المسح في النصف الأول من أيلول، بتكلفة شبه صفر على خزينة الدولة، حيث كانت الشركة تتحمل نصف تكلفة المسح وتسويق البيانات عالميًا، ما كان سيوفر إيرادات مباشرة للبنان. كما كان التقرير النهائي جاهزًا خلال شهرين، قبل انتهاء دورة التراخيص الثالثة، ما كان سيعطي لبنان موقعًا تفاوضيًا أقوى مع «توتال» أو أي شركة أخرى.

لكن الصدّي اتخذ قرارًا بطرد «TGS» قبل بدء المسح، ما أهدَر مصلحة وطنية مؤكدة وأثار احتمالات تقديم الشركة لمطالبات تعويضية، كونها كانت تحمل تراخيص رسمية. ويضع هذا القرار الصدّي تحت مساءلة مباشرة، إذ أن الإجراءات التي اتخذها أعادت الجدول الزمني للمشاريع إلى الوراء ثلاث سنوات، مقارنة بالعرض السابق الذي كان يتيح بدء الحفر فور الانتهاء من المسح.


تجاوز الصلاحيات القانونية
إضافة إلى ذلك، تصرّف الصدّي كجهة تفاوضية منفردة، متجاوزًا صلاحيات هيئة إدارة قطاع البترول (LPA)، وهو ما يثير إشكاليات قانونية واضحة. فالتفاوض الفردي مع «توتال» في باريس، وإصدار قرارات أحادية مثل طرد «TGS»، تم دون توثيق الأسباب الفنية أو القانونية، والاكتفاء بالإشارة إلى «أسباب استراتيجية» غامضة. حتى إرسال بريد إلكتروني من خارج لبنان يطلب فيه من «TGS» وقف نشاطاتها يطرح تساؤلات حول شرعية القرار، الذي كان يُفترض أن يتخذ من قبل وزير الطاقة بالوكالة.


ثغرات في الاتفاقية الأخيرة
اتفاقية البلوك 8 تتضمن أيضًا ثغرات قانونية واضحة. فقد انتهت المهلة الأصلية لتقديم الاتفاقية النهائية والكفالات من «توتال» في شباط 2024، لكنها ماطلت حتى نيسان 2025، فاعتمد الصدّي على تأويل مرن لقانون تعليق المهل، ما قد يجعل الاتفاقية قابلة للطعن قضائيًا. هذا التأجيل منح «توتال» فرصة جديدة لإعادة فرض شروطها على لبنان، بما يحد من الاستفادة الوطنية القصوى من الموارد الطبيعية.


الخسائر الاقتصادية والسمعة الدولية
ترتبت على قرارات الصدّي تبعات ملموسة: فقد فقد لبنان الإيرادات المباشرة من بيع بيانات مسح «TGS»، في مقابل تحميل الدولة تكلفة المسح الذي ستنفذه «توتال». كما أضعفت هذه القرارات الثقة بالمناخ الاستثماري اللبناني، فخضوع المسؤول للضغوط الخارجية من شركة كبرى يعطي رسالة سلبية للمستثمرين حول استقرار البيئة التعاقدية وقدرة الدولة على حماية مصالحها.

وفق المراقبين، يمثل هذا التواطؤ المؤسف حالة نموذجية على الصعيد الإداري والقانوني والسياسي، إذ يجمع بين تجاوز الصلاحيات، إهدار الموارد الوطنية، وفتح الطريق أمام الأطراف الأجنبية لتأخير استثمار ثروات لبنان الطبيعية.


مؤشرات مستقبلية
كل المعطيات تشير إلى أن شركة «توتال» قد تعلن قريبًا تخلّيها عن البلوك 9، ما يعكس استراتيجية تأخير متعمدة للبدء الفعلي في استغلال الغاز اللبناني. وبالنظر إلى القرارات الفردية والصلاحيات المخالفة التي اتخذها الصدّي، يتساءل العديد من المراقبين: هل ستتم محاسبته على الإضرار بالمصلحة الوطنية، أم أن خضوعه للضغوط الخارجية سيظل مغطى من قبل السلطة السياسية؟


الخلاصة
الاتفاقية الموقعة للبلوك 8 ليست مجرد مشروع تنموي في قطاع الطاقة، بل تمثل اختبارًا حقيقيًا للمساءلة والشفافية في لبنان، ومسألة حاسمة في تحديد قدرة الدولة على حماية مصالحها الاستراتيجية. القرارات الفردية التي اتخذها وزير الطاقة، والخسائر الاقتصادية والسمعة التي ترتبت عليها، تضع لبنان أمام تحدي حقيقي في استثمار ثرواته الطبيعية بكفاءة وعدالة، وسط ضغوط شركات متعددة الجنسيات وأطراف محلية متداخلة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 9