شهد اليمن في الأيام الأخيرة تحولات ميدانية وسياسية غير مسبوقة أعادت رسم خريطة السيطرة على الأرض. الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا استعادت زمام المبادرة، وتمكنت قواتها من السيطرة على أكثر من 60% من مساحة البلاد، بينما شهدت القوى الموالية للمجلس الانتقالي الجنوبي تراجعًا كبيرًا في مناطق نفوذها.
قبل نحو عشرة أيام فقط، كانت التشكيلات العسكرية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي تسيطر على أكثر من نصف مساحة اليمن، بعد نجاحها في مد نفوذها على كامل محافظتي حضرموت والمهرة في شرق البلاد، ضمن عملية عسكرية أطلق عليها اسم “المستقبل الواعد”، بدأت مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي. العملية تضمنت اشتباكات مع قوات محلية مثل “حلف قبائل حضرموت”، ما زاد من تعقيد المشهد الميداني، لكنه أتاح لاحقًا فرصة للحكومة المعترف بها دوليًا لإعادة ترتيب قواتها واستعادة المواقع الاستراتيجية.
تدخل قوات “درع الوطن” ودور التحالف
تسارعت الأحداث مع دخول قوات “درع الوطن” التابعة لمجلس القيادة الرئاسي -الذي يمثل الشرعية الحكومية- بدعم من التحالف العربي على خط المواجهة مع المجلس الانتقالي الجنوبي. هذا التحرك العسكري والدبلوماسي سمح للقوات الحكومية بالسيطرة على مواقع حساسة ومعسكرات رئيسية في جنوب اليمن، بدءًا من عدن ووصولًا إلى المهرة، مع تعزيز التنسيق مع تشكيلات عسكرية كانت تتبع الانتقالي مثل “النخبة الحضرمية”، و”العمالقة”، و”الحزام الأمني”.
التحليل العسكري يشير إلى أن استعادة هذه المعسكرات والمواقع السيادية أعادت التوازن النسبي بين القوى في جنوب اليمن، وحولت الديناميكية الميدانية لصالح الحكومة المعترف بها دوليًا، بعدما كانت الانتصارات العسكرية للمجلس الانتقالي في شرق البلاد تهدد بتقويض نفوذ الحكومة في الجنوب.
حل المجلس الانتقالي الجنوبي وتأثيره
أهم التحولات السياسية تمثلت في إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي حل نفسه، وهو القرار الذي أعلن عنه الأمين العام عبد الرحمن الصبيحي خلال اجتماع هيئة رئاسة المجلس والقيادة التنفيذية بالرياض. شمل القرار إلغاء كافة هيئات المجلس وأجهزته ومكاتبه في الداخل والخارج، ما يشير إلى نهاية دور فاعل لهذه القوى في المشهد السياسي، وفتح الباب أمام دمج القوات الموالية للانتقالي ضمن تشكيلات الدولة الرسمية.
تحليل هذا القرار يشير إلى أن الحسم العسكري والتنسيق مع التحالف كان له تأثير مباشر على قرارات المجلس السياسي، إذ أن فقدان السيطرة على المواقع الأساسية والمناطق الاستراتيجية دفع إلى حل المؤسسات التابعة له لتجنب مزيد من الانهيار العسكري والسياسي.
خريطة السيطرة الجديدة
بناءً على آخر التطورات، يمكن تقسيم السيطرة على الأرض في اليمن كما يلي:
الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا: تسيطر على أكثر من 60% من مساحة البلاد، بما يشمل كامل محافظات جنوب اليمن، بالإضافة إلى أجزاء من مأرب وتعز، بعد استلام المعسكرات والمواقع الاستراتيجية من قوات المجلس الانتقالي.
جماعة الحوثيين: تسيطر على نحو 33% من مساحة البلاد، مركزة في محافظات شمال اليمن، بما يعكس ثبات قواعدها العسكرية والسياسية رغم الضغوط الحكومية والتحالفية.
قوات طارق صالح (“حراس الجمهورية”): تتمركز في الساحل الغربي، مع امتداد على طول الشريط الساحلي باتجاه باب المندب، وتعتمد على قاعدة لوجستية رئيسية في مدينة المخا بمحافظة تعز.
انعكاسات التحولات على المشهد اليمني
يمكن قراءة هذه التحولات على مستويين رئيسيين:
المستوى العسكري: الحسم الأخير أعاد توازن القوى في جنوب اليمن لصالح الحكومة المعترف بها دوليًا، وقلل من قدرة المجلس الانتقالي على شن عمليات عسكرية واسعة. كما أن تنسيق القوات الحكومية مع تشكيلات محلية سهل السيطرة على المناطق الحيوية بسرعة، مما يقلل من مخاطر استنزاف الموارد.
المستوى السياسي: حل المجلس الانتقالي الجنوبي يفتح الطريق أمام حكومة مركزية أكثر قوة في الجنوب، مع إمكانية دمج عناصر المجلس ضمن القوات الحكومية، مما يعزز فرص استقرار السلطة الرسمية في جنوب اليمن ويقلل من الانقسامات الداخلية.
ومع ذلك، يبقى الوضع هشًا بسبب استمرار سيطرة الحوثيين على الشمال، وتوتر العلاقات بين القوات الحكومية وتحالفاتها المختلفة، إضافة إلى وجود جماعات مسلحة متفرقة على طول الساحل الغربي. هذه العوامل تعني أن الاستقرار الكامل لا يزال بعيدًا، وأن أي تحول في التحالفات العسكرية أو السياسية قد يعيد خريطة السيطرة إلى نقطة البداية.
التحولات الأخيرة في اليمن تمثل لحظة مفصلية في الصراع الطويل، حيث تمكنت الحكومة المعترف بها دوليًا من استعادة أغلب الجنوب، بينما تراجع دور المجلس الانتقالي الجنوبي بشكل كامل. ومع ذلك، يبقى اليمن بلدًا يواجه تحديات كبيرة في تحقيق الاستقرار على المدى الطويل، سواء على الصعيد العسكري أو السياسي أو الإنساني، وسط استمرار الانقسامات والتدخلات الإقليمية.