أحياء حلب الشمالية.. فسيفساء بين الحرب والسلام

2026.01.10 - 10:21
Facebook Share
طباعة

 تقع أحياء الأشرفية والشيخ مقصود في شمال مدينة حلب، وتعد من أكثر مناطق المدينة تنوعًا سكانيًا وثقافيًا. يشرف الحيان على مناطق صناعية وحيوية مثل منطقة الليرمون الصناعية وطريق الكاستيلو، ما أكسبهما أهمية إستراتيجية كبيرة في المشهد الأمني والعسكري للمدينة.

يُنظر عادة إلى الحيين ككتلة واحدة، نظرًا لتلاصقهما الجغرافي، ما جعلهما نقطة تأثير مستمرة منذ الثورة السورية عام 2011. ومع بداية الثورة، شهد الحيان تشكيل لجان شعبية ومجالس مدنية تابعة للإدارة الذاتية، وتحولت التلة التي يقف عليها الحيان إلى فضاء سياسي وعسكري مهم، خاصة بعد استحواذ قوات سوريا الديمقراطية "قسد" على السيطرة مع انسحاب فصائل المعارضة إلى أحياء المدينة الغربية.

يقدّر عدد سكان الحيين بنحو 400 ألف نسمة وفق تقارير 2024، بينهم كرد وعرب وتركمان وأقليات أخرى. ويتميز الحيان بفسيفساء اجتماعية معقدة انعكست في تنوع أصول السكان ومهنهم، من عمال في المنشآت الصناعية إلى موظفين حكوميين.

حي الأشرفية يقع على هضبة خارج المدينة القديمة، وكان معروفًا تاريخيًا باسم "الداودية" نسبة إلى الوالي الأرمني داود باشا. واستقطب الحي موجات هجرة من الريف الشمالي وأحياء حلب القديمة، مدفوعة بفرص العمل في الصناعات النسيجية والغذائية، قبل أن يشهد توسعًا عمرانيًا وتجاريًا ملحوظًا منذ الستينيات.

حي الشيخ مقصود من أكبر أحياء المدينة وأكثرها كثافة سكانية، ويقع على مرتفع يطل على معظم أحياء حلب، مما يمنحه موقعًا إستراتيجيًا هامًا. ويعود اسم الحي إلى شيخ كردي استقر في المنطقة، واستقر حوله سكان من المسيحيين والمجموعات الكردية والعربية.

مع اندلاع الثورة السورية، أصبحت هذه الأحياء قاعدة إستراتيجية لقسد، التي توسعت لاحقًا لتشمل أحياء بني زيد وبعيدين والهلك وبستان الباشا، مستفيدة من شبكة أنفاق تحت الحيين ومحيطهما، ما أتاح لها التحرك العسكري بحرية نسبيًا بعيدًا عن المراقبة المباشرة.

الاتفاقيات السابقة والانسحاب الجزئي
في مارس 2025، وقع الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع وقائد قسد اتفاقًا لوقف إطلاق النار ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية، مع تحديد سقف زمني لتنفيذ بنود الاتفاق. وفي أبريل 2025، وقع الطرفان اتفاقًا آخر لانسحاب قسد من الشيخ مقصود والأشرفية إلى شرق الفرات، إلا أن التنفيذ كان جزئيًا، ما ساهم في استمرار التوترات العسكرية بين الطرفين.

تصعيد واشتباكات حديثة
تصاعدت حدة النزاع في أكتوبر 2025 بعد تدمير نفق تابع لقسد داخل الحيين، تلاه قصف على أحياء مدنية ومستشفى الرازي، أسفر عن مقتل 4 مدنيين وإصابة 14 آخرين معظمهم من النساء والأطفال. ومع مطلع 2026، استهدفت قسد حاجزًا للشرطة العسكرية قرب دير حافر، وتبعها قصف مكثف على محيط الشيخ مقصود، ما أدى إلى توقف مشفى حلب للأمراض الداخلية عن العمل وارتفاع حصيلة الضحايا إلى 5 قتلى و44 مصابًا.

ردًا على ما وصفه الجيش السوري بـ"التصعيد الكبير وارتكاب مجازر بحق المدنيين"، فتح الجيش ممرّين إنسانيين لإجلاء السكان، وأعلن لاحقًا عن استهداف مركّز لمواقع قسد في الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد بعد انتهاء فترة الإخلاء. كما أعلن الجيش حي الشيخ مقصود منطقة عسكرية مغلقة وفرض حظر تجوال، وأرسل حافلات لنقل عناصر قسد إلى شرق الفرات، رغم رفض بعض المقاتلين المرتبطين بحزب العمال الكردستاني الانسحاب واستمرار القتال.

الأهمية الإستراتيجية
يمثل الحيان قاعدة إستراتيجية مزدوجة لقسد، لما يوفرانه من عمق سكاني وسياسي، وقدرة على مراقبة طرق الإمداد وخطوط التماس مع القوات الحكومية. كما يتيح الموقع المرتفع والتحكم في الممرات الداخلية إمكانية إدارة التحركات العسكرية والرقابة على الأحياء الحيوية، ما يجعلهما محورًا للتنافس الأمني والعسكري منذ الثورة وحتى اليوم.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 5