تشهد البحر الأحمر حركة معقدة بين الأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية في اليمن والدول المجاورة، أي اضطراب فيها يؤثر مباشرة على الأمن الغذائي والدوائي والاستقرار النقدي والمعيشي في البلاد التي تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد عبر البحر الأحمر وباب المندب.
مرور نحو 12 بالمئة من حجم التجارة العالمية وأكثر من 30 بالمئة من تجارة الحاويات العالمية ونحو 10 بالمئة من تجارة النفط ومشتقاته يوضح أهمية هذه الممرات ليس على المستوى المحلي فقط، وإنما على الاقتصاد العالمي، أي تغيير في مسار النقل البحري يؤدي إلى ارتفاع كلفة النقل والتأمين ويضع ضغوطاً على سلاسل الإمداد.
شهدت الأشهر الماضية تعديل مسارات شحن كبرى عبر رأس الرجاء الصالح، 10 إلى 14 يوماً إضافياً للرحلات البحرية وزاد تكاليف الوقود والتشغيل، فيما ارتفعت أقساط التأمين البحري بنسبة تراوحت بين 300 و600 بالمئة وقفزت كلفة شحن الحاوية الواحدة بين 1500 وثلاثة آلاف دولار، انعكس تدريجياً على أسعار السلع الأساسية في الأسواق المحلية.
على الصعيد العسكري والسياسي، نفذت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بدعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، حملة واسعة لتثبيت السيطرة على المحافظات الساحلية الجنوبية بما في ذلك حضرموت والمهرة والتقدم صوب شبوة، إضافة إلى نشر قوة بحرية في مياه البحر العربي لتعزيز السيطرة على الممرات البحرية وحماية الموانئ الحيوية التي تشكل شرياناً اقتصادياً واستراتيجياً.
الاعتراف الإسرائيلي بإقليم صوماليلاند أضاف أبعاداً جديدة للمشهد الإقليمي، حيث مثلت تحركاً خارج السياقات التقليدية قد يؤثر على الاستقرار في البحر الأحمر ويشكل تحدياً للقدرة على إدارة الممرات الاستراتيجية.
هذا الواقع يوضح الحاجة إلى تنسيق إقليمي بين الدول العربية المطلة على البحر الأحمر لضمان استدامة الملاحة البحرية وحماية التجارة العالمية، إضافة إلى الحفاظ على الأمن البحري الوطني لكل دولة.
يبرز الوضع الراهن البحر الأحمر كبؤرة تجمع بين الأبعاد الاقتصادية والسياسية والعسكرية، ويعرض هشاشة الاستقرار في المنطقة للتحديات.
أي تطورات مستقبلية في هذه الممرات البحرية الحيوية تؤثر ليس فقط على اليمن، بل على دول المنطقة بأكملها وعلى الاقتصاد العالمي، ما يجعلها أولوية استراتيجية للمتابعة والتخطيط بعناية للحفاظ على توازن المصالح المحلية والإقليمية والدولية.