مع انشقاق عدد من ضباط الجيش عن النظام السابق، لم تقتصر تبعات ذلك على الملاحقة الأمنية أو فقدان الوظيفة والدخل، بل امتدت لتطال الحقوق المدنية الأساسية، وفي مقدمتها حق الملكية.
في السنوات الماضية، تنوعت أشكال فقدان المنازل التي تعود للمنشقين، بين الحرق والاستملاك القسري، أو نقل الملكية إلى أطراف أخرى عبر إجراءات قانونية، ضمن بيئة اتسمت بغياب ضمانات حماية كافية.
وتبرز اليوم حالات أكثر تعقيدًا، حيث امتلك بعض الضباط منازل وعقارات بعقود نظامية وتمويل مصرفي، لكن تعثر سداد الأقساط بعد الانشقاق أدى إلى إجراءات مصادرة وبيع بالمزاد العلني، وفق ما تتيحه القوانين السارية في تلك الفترة. ويشير ذلك إلى نمط من استخدام القواعد القانونية لإضفاء طابع شكلي على إجراءات نزع الملكية، مع وجود تساؤلات حول مدى توافق بعض العمليات مع الأطر القانونية.
شهادات الضباط المنشقين: تجربة فقدان الملكية
أفاد أحد الضباط المنشقين، العميد عدنان صطيف، بأنه اشترى شقة سكنية في مدينة حرستا عام 2005، بقيمة تقارب 950 ألف ليرة سورية، ودفع 600 ألف نقدًا، بينما تم تمويل الباقي عبر قرض من المصرف العقاري.
كان المصرف يقتطع الأقساط الشهرية بشكل منتظم من راتبه، لكن مع انقطاع الراتب إثر انشقاقه عن النظام، تعذر استكمال السداد، ولم يتمكن من توكيل محامٍ أو متابعة الإجراءات القانونية، رغم أن المبلغ المتبقي كان محدودًا.
وفي عام 2022، فوجئ ببيع الشقة عبر ما سُمّي "مزاد علني"، بقيمة تقل كثيرًا عن السعر الأصلي، واستحوذ عليها شخص آخر، مع استمرار تسجيل العقار باسم الضابط لفترة طويلة قبل نقل الملكية للطرف الجديد.
ضابط آخر، العميد عمار الواوي، روى تجربة مشابهة، حيث اشترى عقارًا بمساحة 65 مترًا مربعًا عبر المصرف العقاري، ووضع وديعة نصف ثمن العقار، ثم دفع كامل الثمن على أقساط. بعد انشقاقه، توقف راتبه، وبدأ المصرف بسحب الأقساط من كفلاء آخرين، فيما تم بيع العقار لاحقًا في مزاد علني، دون علمه أو موافقته، رغم احتفاظه بالوثائق الرسمية.
الأطر القانونية والإجراءات المصرفية
أوضحت محامية متخصصة أن المصارف تعتمد على إجراءات قانونية لتحصيل القروض، بما في ذلك البيع بالمزاد في حال تعذر السداد، وأن الظروف القهرية، مثل انقطاع الراتب أو الحجز على الممتلكات، قد تؤثر على قدرة المالك على متابعة الإجراءات القانونية.
كما تشير التفسيرات القانونية إلى أن غياب المالك عن العقار لأسباب قاهرة يجعل أي تبليغ شكلي غير نافذ، وأن نقل الملكية بعد فترة من الغياب يمكن الطعن فيه قانونيًا إذا ثبت استغلال الظروف لصالح طرف آخر.
ويمكن للمتضررين اللجوء إلى مسارات قضائية متعددة، تشمل:
فسخ التسجيل وإعادة التسجيل
إيقاف التنفيذ
الطعن في الحكم المصرفي الأصلي
وذلك بهدف حماية حقوق الملكية الخاصة وضمان تطبيق القانون بما يراعي الظروف القهرية التي قد تؤثر على قدرة المالكين على الدفاع عن ممتلكاتهم.
قرارات قضائية حديثة
أصدرت محكمة النقض – الغرفة المدنية الثانية العقارية قرارًا بإلغاء حكم تثبيت بيع عقار بعد ثبوت استغلال الظروف الأمنية لصالح طرف آخر، مع تطبيق نظرية الظروف القاهرة لحماية حقوق المالكين المتغيبين قسرًا.
وأكدت المحكمة أن التبليغ لا يسري على الغائبين قسرًا بسبب ظروف أمنية، وأن وجود مانع قاهر يمنع الحضور يجعل الإجراء باطلاً لعدم تحقيق الغاية القانونية المرجوة.
أثر الإجراءات على المنشقين
تكشف هذه الحالات عن التحديات التي تواجه حماية الملكية في سياق الظروف الأمنية والسياسية الاستثنائية، حيث يعتمد نجاح حماية الحقوق على قدرة القضاء على التمييز بين الإجراءات الشكلية والغاية من استخدامها.
كما توضح أن الظروف الأمنية والسياسية قد تتداخل مع العمليات المصرفية والإجراءات القانونية، مما يتطلب تطبيق النظرية القانونية لحماية الحقوق وضمان العدالة للمالكين، مع مراعاة الظروف القهرية التي حالت دون قدرتهم على متابعة ممتلكاتهم.
في المحصلة، تشير هذه الحالات إلى أن تطبيق القانون في بيئة غير مستقرة سياسيًا وأمنيًا يمكن أن يؤدي إلى نتائج غير متوقعة، تشمل مصادرة ممتلكات ومزايدات علنية بأسعار أقل من قيمتها الحقيقية، ما يثير تساؤلات حول ضرورة مراجعة الإجراءات لضمان حماية الحقوق المدنية وحق الملكية للأفراد المتضررين.