المعادن النادرة تشعل التنافس القطبي

2026.01.08 - 08:52
Facebook Share
طباعة

 
تشهد جزيرة غرينلاند في السنوات الأخيرة تصاعدًا لافتًا في حجم الاهتمام الأميركي، عاد إلى الواجهة بقوة مع إعادة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب طرح فكرة سيطرة الولايات المتحدة على الجزيرة، في خطوة تجاوزت حدود الجدل السياسي التقليدي لتفتح الباب أمام نقاش أعمق يتعلق بالاقتصاد الإستراتيجي، وأمن الموارد، وإعادة توزيع النفوذ العالمي في عصر التحولات المناخية.

ولا يمكن فهم هذا الاهتمام بمعزل عن التحولات الجارية في القطب الشمالي، الذي بات يُنظر إليه بوصفه مسرحًا جديدًا للتنافس الدولي، سواء على الموارد الطبيعية والمعادن الحرجة، أو على الممرات البحرية التي قد يؤدي ذوبان الجليد إلى فتحها أمام التجارة العالمية، مغيرًا بذلك خرائط النقل والتجارة الدولية.

في المقابل، قوبلت الطروحات الأميركية برفض قاطع من الدنمارك وحكومة غرينلاند المحلية، اللتين شددتا مرارًا على أن الجزيرة ليست معروضة للبيع، وأن أي حديث عن تغيير وضعها السيادي يتعارض مع القانون الدولي وإرادة سكانها.

غير أن تقارير وتحليلات غربية تشير إلى أن النقاش الحقيقي لا يدور فقط حول مسألة السيادة، بل حول كلفة النفوذ والعائد الاقتصادي في منطقة تشهد تحولات متسارعة، حيث تختلط اعتبارات الأمن القومي بحسابات السوق، وتتحول غرينلاند إلى ملف اقتصادي-سياسي مفتوح ضمن معادلة القوة الدولية.


اقتصاد القطب الشمالي: معادن نادرة وطاقة كامنة
تشير تقارير صادرة عن بلومبيرغ وصحيفة “تلغراف” البريطانية إلى أن غرينلاند تُقدَّم اليوم بوصفها “كنزًا محتملًا من الموارد الطبيعية”، إذ تحتوي على 37 معدنًا من أصل 50 معدنًا تصنفها الولايات المتحدة على أنها “معادن حرجة”، وذلك بكميات متوسطة أو مرتفعة، وفق مسح جيولوجي أُجري عام 2023.

وتُعد هذه المعادن عنصرًا أساسيًا في الصناعات الدفاعية المتقدمة، وتكنولوجيا الطاقة المتجددة، وصناعة البطاريات، والمغناطيسات عالية الأداء، فضلًا عن الإلكترونيات المتقدمة. وتزداد أهمية هذا الملف في ظل الهيمنة الصينية الواسعة على سلاسل إنتاج وتوريد هذه المعادن عالميًا، وهو ما تعتبره واشنطن تهديدًا مباشرًا لأمنها الاقتصادي والصناعي.

وتضيف “تلغراف” بُعدًا آخر لقيمة غرينلاند، يتمثل في امتلاكها نحو 7% من المياه العذبة العالمية المخزنة في صفائحها الجليدية، وهو رقم يرفع من القيمة الاقتصادية الإستراتيجية للجزيرة في عالم يتجه بسرعة نحو مزيد من شح الموارد المائية.

إلى جانب ذلك، تتحدث تقارير عن احتياطيات غير مطوّرة من النفط والغاز، يُعتقد أنها من الأكبر في القطب الشمالي، مع تقديرات تضعها في المرتبة الثالثة من حيث الحجم. ويُضاف إلى ذلك أن ذوبان الجليد المتسارع بفعل التغير المناخي لا يفتح فقط نافذة جديدة للتعدين، بل يخلق أيضًا ممرات شحن بحرية أقصر بين أميركا الشمالية وأوروبا وآسيا، ما يخفض كلفة النقل والتأمين، ويعيد تشكيل حسابات التجارة العالمية.


صفقة تريليونية أم عبء مالي طويل الأمد؟
من منظور اقتصادي مباشر، تحذّر بلومبيرغ من أن أي استحواذ أميركي محتمل على غرينلاند سيكون بالغ الكلفة والتعقيد سياسيًا وماليًا. فقد قدرت صحيفة “واشنطن بوست” عام 2019 قيمة الجزيرة بما يصل إلى 1.7 تريليون دولار، على افتراض التعامل معها بوصفها أصلًا قابلًا للبيع، وهو رقم لا يزال حاضرًا بقوة في النقاش العام بوصفه مؤشرًا لحجم “الشيك” المطلوب.

غير أن “تلغراف” تشير إلى أن الكلفة لا تقتصر على ثمن الشراء المفترض، بل تمتد إلى أعباء دعم منطقة تُعد من الأدنى دخلًا للفرد في القطب الشمالي باستثناء روسيا. وهذا يعني أن أي ضم أو سيطرة فعلية ستفرض على الولايات المتحدة فاتورة تشغيلية طويلة الأمد تشمل تطوير البنية التحتية، والإسكان، والخدمات العامة، والمطارات، والموانئ، وشبكات الاتصالات، في واحدة من أقسى البيئات المناخية في العالم.

في المقابل، يرى خبراء أن تقليص الاعتماد على المعادن الصينية قد يمنح واشنطن “عائدًا جيوسياسيًا-اقتصاديًا” يصعب قياسه بالأرقام الفورية، لأنه يتعلق بأمن سلاسل التوريد، ومرونة الصناعات الدفاعية والتكنولوجية، والقدرة على الصمود في أوقات الأزمات.

وبين منطق “الصفقة العقارية” الذي ميّز خطاب ترامب، ومنطق “الاستثمار الإستراتيجي طويل الأمد”، تبدو غرينلاند حالة فريدة تختلط فيها حسابات الربح والخسارة بحسابات السيطرة والردع والنفوذ.


الأمن القومي كغطاء اقتصادي
يكرر دونالد ترامب، وفق تقارير هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، أن “الولايات المتحدة تحتاج غرينلاند من أجل الأمن القومي، لا من أجل المعادن”، في محاولة للفصل بين الاعتبارات الدفاعية والإغراءات الاقتصادية. غير أن التقارير ذاتها تُبرز التداخل العميق بين الأمن والاقتصاد في هذا الملف.

فغرينلاند تمنح موقعًا متقدمًا لمراقبة القطب الشمالي، الذي يُتوقع أن يتحول إلى ساحة تنافس رئيسية على طرق التجارة والموارد الطبيعية. وتضم الجزيرة قاعدة بيتوفيك الفضائية، أقصى قاعدة أميركية شمالًا، والتي تحتوي على منظومات رادار للإنذار المبكر من الصواريخ الباليستية ومراقبة الفضاء، ما يمنحها قيمة إستراتيجية يصعب تعويضها.

وتشير بلومبيرغ إلى أن توسيع النفوذ الأميركي في غرينلاند قد يتيح فرصًا جديدة لتعزيز الحضور الجوي والبحري الأميركي، ومراقبة الأنشطة الروسية والصينية المتزايدة في المنطقة، خصوصًا مع ارتفاع حركة السفن والاهتمام العسكري بالقطب الشمالي.

وفي خلفية هذا الخطاب، تُقرأ “الضرورة الأمنية” بوصفها إطارًا سياسيًا لتبرير استثمار ضخم في بنية قطبية قد تتحول لاحقًا إلى منصة اقتصادية قائمة على الموارد والنقل، حيث يصبح الأمن القومي غطاءً لمشروع اقتصادي طويل النفس.


الصين وروسيا: سباق الموارد والممرات
تلفت “تلغراف” إلى أن الصين وروسيا تعملان بشكل متزايد على تعزيز نفوذهما في القطب الشمالي، ليس فقط عبر الوجود العسكري، بل من خلال الاستثمارات، والتمويل، ومشاريع البنية التحتية المرتبطة بالنقل واستخراج الموارد.

وقد فرضت الصين مؤخرًا قيودًا على تصدير بعض المعادن ردًا على القيود الأميركية المفروضة على أشباه الموصلات المتقدمة، ما زاد من حساسية ملف المعادن النادرة، وأعاد طرح سؤال الاعتماد على مورد واحد في سلع إستراتيجية.

وتستشهد الصحيفة بتقييمات أميركية تعتبر القطب الشمالي “مفترق طرق عالميًا جديدًا” للمواد الخام والممرات البحرية، حيث إن أي سيطرة أو شراكات حصرية هناك ستنعكس مباشرة على كلفة الإنتاج العالمي في قطاعات التكنولوجيا والطاقة.

ومع ارتفاع احتمالات فتح ممرات بحرية جديدة بفعل الاحترار العالمي، يصبح “الطريق الأقصر” عنصرًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن “المنجم الأغنى”، وهو ما يفسر تزايد التنافس على المنطقة.


الناتو والاقتصاد السياسي للتحالف
تحذّر مجلة “ذا أتلانتيك” من أن أي محاولة أميركية لفرض السيطرة على غرينلاند قد تُطلق سلسلة تفاعلات تهدد بشلّ حلف شمال الأطلسي، إذ ستضع أعضاء الحلف أمام معضلة غير مسبوقة: ماذا يحدث إذا هددت دولة عضو سيادة دولة عضو أخرى؟

اقتصاديًا، يترجم هذا النوع من الصدمات فورًا إلى حالة عدم يقين في الاستثمارات العابرة للأطلسي، وإلى إعادة تسعير للمخاطر في قطاعات الدفاع والطاقة والنقل البحري.

وتنقل “بي بي سي” تحذيرًا دنماركيًا مفاده أن أي محاولة للسيطرة على غرينلاند قد تعني عمليًا نهاية الناتو، وهو تصريح يحمل أبعادًا اقتصادية عميقة، لأن الحلف لا يمثل مجرد إطار عسكري، بل مظلة استقرار للأسواق الأوروبية والأميركية.

وفي السياق ذاته، تنقل “ذا أتلانتيك” عن مسؤول أوروبي قوله إن أوروبا “لن تكون قادرة عمليًا على الدفاع عن غرينلاند”، ما يجعل الردع العسكري موضع شك، ويفتح الباب أمام الضغوط السياسية والاقتصادية بدل المواجهة المباشرة.


ماذا يعني كل ذلك؟
تتقاطع روايات التقارير والتحليلات عند حقيقة واحدة: غرينلاند ليست مجرد قضية سيادة أو ورقة انتخابية عابرة، بل رهان اقتصادي طويل الأمد على المعادن الحرجة، والمياه العذبة، والطاقة، والممرات البحرية في عالم يتغير بفعل التغير المناخي.

وبين كلفة تريليونية محتملة وعوائد إستراتيجية مؤجلة، تبدو شهية ترامب لغرينلاند انعكاسًا لتحول أعمق في الاقتصاد السياسي العالمي، حيث لم تعد الخرائط تُعاد رسمها بالحروب التقليدية وحدها، بل بحسابات الموارد، وسلاسل التوريد، والقدرة على التحكم في مفاصل الاقتصاد العالمي.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 5