دوامة المفاوضات السورية-الكردية بلا نهاية واضحة

2026.01.06 - 01:29
Facebook Share
طباعة

 لم تسفر الجولة الأخيرة من المفاوضات بين الحكومة السورية وقائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، عن أي نتائج ملموسة تُسرّع تنفيذ اتفاق العاشر من آذار 2025، الذي كان من المقرر إتمامه بنهاية العام الماضي. وتشير المؤشرات إلى أن "قسد" تميل إلى المماطلة وكسب الوقت، في محاولة لتمديد فترة تطبيق الاتفاق، ما يثير تساؤلات واسعة حول أهدافها الحقيقية وما إذا كانت المفاوضات قد تحولت إلى دائرة مغلقة بلا نهاية واضحة.

تهدئة الشارع مقابل المماطلة

يرى الكاتب والمحلل السياسي علي تمي أن اجتماعات هذا التوقيت تهدف أساسًا إلى تهدئة الشارع في شمال شرق سوريا، حيث يعيش السكان حالة من الغليان والاحتقان، بينما تحاول العشائر الحفاظ على مواقعها ونفوذها المحلي. ويضيف تمي أن الحكومة السورية وصلت إلى قناعة بأن "قسد" تسعى لاكتساب المزيد من الوقت دون تقديم أي تنازلات جوهرية.

ويشير تمي إلى أن الحكومة تواجه خيارين صعبين: إما استعادة السيطرة عسكريًا على المناطق التي تسيطر عليها "قسد"، أو مواجهة تدخل العشائر، ما يضعها في موقف محرج. ويرى أن رفض "قسد" لأي تدخل عسكري يمثل نقطة خلاف أساسية تزيد من احتمالات التصعيد العسكري.

الانقسامات الداخلية داخل "قسد"

وبحسب تمي، تعاني "قسد" من انقسامات داخلية بين جناحين: الأول يدفع نحو خيار المواجهة العسكرية، والثاني يسعى للتوصل إلى اتفاق، إلا أن هذه الانقسامات تُعد في جوهرها “لعبة تبادل أدوار” تهدف إلى إبقاء المفاوضات مفتوحة دون تقديم تنازلات حقيقية.

ويضيف أن هذه الاستراتيجية تعكس غياب قرار موحد داخل "قسد"، حيث تتأثر توجهاتها بالضغوط الإقليمية والدولية، مما يجعلها عاجزة عن تقديم رؤية واضحة أو تنازلات جدية، ويزيد من حالة عدم الثقة مع الحكومة السورية.

دعوات للنهج السياسي

من جانبه، يرى عثمان ملو، عضو الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا، أن أي مشروع سياسي كردي لا يمكن أن ينجح بمعزل عن الدولة السورية ومؤسساتها. وأوضح أن الرهان على القوة العسكرية أو الدعم الخارجي هو رهان قصير الأمد يهدد مستقبل السوريين والكرد معًا.

ويؤكد ملو أن الحل السياسي يكمن في بناء شراكة وطنية تقوم على الاعتراف المتبادل والاندماج في مؤسسات الدولة، مع التنازل عن بعض الأوراق خلف الكواليس. ويرى أن هذا النهج يوفر الطريق الأكثر أمانًا لتحقيق استقرار طويل الأمد ويجنب البلاد مزيدًا من المواجهات.

سيناريوهات محتملة للعلاقة السورية-الكردية

الباحث والمحلل السياسي محمد السكري يرى أن العلاقة بين الحكومة و"قسد" يمكن أن تسير وفق ثلاثة سيناريوهات محتملة:

دمج "قسد" ككتلة واحدة: يرتبط هذا الخيار بالموقف الأميركي وطبيعة العلاقة مع تركيا، حيث قد تُقبل الحكومة بدمج "قسد" كوحدة واحدة في مؤسسات الدولة إذا حافظت على علاقتها بواشنطن ولم يطرأ أي تحول في الموقف الأميركي.

دمج الأفراد فقط: في حال تغير الموقف الأميركي، قد تُصر الحكومة على دمج عناصر "قسد" فرديًا، ما يسهل تفكيكها وإنهاء عقدة اللامركزية السياسية.

اللجوء إلى الخيار العسكري: في حال استمرار المماطلة وغياب توافق، قد تلجأ الحكومة إلى عملية عسكرية شاملة، ما قد يثير اضطرابات داخلية وخارجية ويعيد تعريف العلاقة مع القوى الدولية، مع التركيز على المقاربة الأمنية على حساب الحل السياسي.

السياق الإقليمي والدولي

يؤكد السكري أن المفاوضات لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي والدولي. فتركيا تعتبر "قسد" امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، وتعارض أي شرعية سياسية أو عسكرية لها، بينما تدعم الولايات المتحدة "قسد" عسكريًا وسياسيًا كجزء من مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية. روسيا، بدورها، تحاول لعب دور الوسيط، لكنها تدعم موقف الحكومة السورية في استعادة السيطرة على كامل الأراضي. هذا التشابك الدولي يجعل أي اتفاق داخلي رهينًا بمواقف القوى الكبرى.

المراوحة بين المماطلة والمواجهة

بين اتهامات المماطلة وضغوط الشارع والعشائر والانقسامات الداخلية، تبدو المفاوضات بين الحكومة و"قسد" وكأنها دائرة مغلقة بلا نهاية واضحة. يرى بعض السوريين أن المماطلة مجرد محاولة للحفاظ على مكاسب "قسد"، بينما يعتقد آخرون أن المواجهة العسكرية باتت وشيكة. في المقابل، يعتبر فريق ثالث أن مستقبل الاتفاق يظل مرتبطًا بالسياسات الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، مما يجعل تنفيذ الاتفاق معلقًا بين احتمالات التسوية والانزلاق نحو مواجهة مفتوحة.

في الوقت الذي يحتاج فيه السوريون إلى حلول سياسية حقيقية، تظل المفاوضات معلقة، والضغوط الشعبية تتزايد، وسط غياب خطوات عملية تعزز الثقة وتفتح الطريق أمام السلام والاستقرار.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 2