كيف تؤثر "عقيدة دونرو" على النظام الدولي

2026.01.06 - 12:24
Facebook Share
طباعة

 في قراءة متفحصة للحدث المثير الذي هز الرأي العام العالمي، والمتمثل في العملية العسكرية الأميركية التي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يوم السبت الماضي، يطرح كاتب العمود في نيويورك تايمز، إم غيسن، منظورًا مختلفًا عما يُعرض عادة في الإعلام الغربي. فوفقًا لغيسن، فإن هذا الحدث لا يُعدّ ضربة لموسكو أو للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بل على العكس تمامًا، فإنه يخدم مصالح الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين ويعزز رؤيتهما لعالم تُحكمه القوة ومناطق النفوذ، على حساب النظام الدولي القائم على القانون وحقوق الإنسان، الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.

ويرى الكاتب أن ما حصل مع مادورو قد يكون بداية لتطبيق ما أسماه "عقيدة دونرو"، مستوحاة من عقيدة مونرو التاريخية التي أطلقها الرئيس الأميركي جيمس مونرو عام 1823 لتعزيز الهيمنة الأميركية على نصف الكرة الغربي، تحت غطاء معارضة الاستعمار الأوروبي. الفكرة الجديدة، وفقًا لغيسن، تجمع بين اسم دونالد ترامب ومبادئ مونرو التاريخية، وتركز على الدبلوماسية القائمة على الصفقات: مكافأة الدول التي تساير سياسات ترامب، ومعاقبة تلك التي تتحدى إرادته.

ويشرح المقال أن النظام الدولي الحالي لم يكن يومًا مثالياً أو موحدًا كما يصوره بعض المدافعين عنه. فقد أُفرغت مؤسساته مرارًا من مضمونها بفعل تدخل الدول الكبرى نفسها، ومع ذلك، فإنها وفرت آليات حقيقية للمساءلة، ومنحت ملايين البشر فرصة للحرية والكرامة، وأسست أملًا لعالم يحكمه القانون وليس القوة الغاشمة. هذا الأمل بدأ يتلاشى، بحسب الكاتب، مع لجوء الولايات المتحدة إلى أعمال غير قانونية تُقدَّم تحت غطاء أخلاقي زائف، كما حدث في عملية اعتقال مادورو.

وينتقد غيسن الخطاب الرسمي لترامب الذي حاول تبرير العملية باسم الديمقراطية، معتبرًا أن ذلك لم يكن سوى غطاء لسياسة استعمارية جديدة تهدف للسيطرة على الموارد الطبيعية، ولا سيما النفط الفنزويلي. ويبرز المقال أوجه التشابه بين خطاب ترامب وخطاب بوتين، حيث يستخدم كلاهما سرديات تحريرية لتبرير الهيمنة: فكما يدّعي بوتين أن غزو أوكرانيا جاء من أجل "تحريرها"، يستخدم ترامب سرديات مشابهة لتبرير السيطرة على فنزويلا، بما في ذلك الادعاء بسرقة الموارد أو البنى التحتية.

ويشير الكاتب إلى أن منطق ترامب السياسي يتعامل مع الدول على أنها مستودعات للثروات لا مجتمعات ذات سيادة، وهو منطق مشابه لما نشأ عليه بوتين في الحقبة السوفياتية، ويطبقه الرئيس الأميركي بوضوح اليوم. كما يحذر غيسن من التداعيات الدولية لهذا النهج، إذ يمنح بوتين ضوءًا أخضر لمزيد من التوسع في أوروبا، ويرسل رسالة مماثلة إلى الصين فيما يتعلق بتايوان.

ويخلص المقال إلى أن السماح لواشنطن باختطاف رؤساء أو غزو عواصم بهدف السيطرة على الموارد يفتح الباب أمام روسيا والصين لممارسة نفس النهج ضمن مناطق نفوذهما، ما يزيد من اضطراب النظام الدولي ويقوض قواعده القائمة. وفي النهاية، يؤكد غيسن أن سقوط مادورو بهذه الطريقة لم يضعف بوتين، بل عزز من صحة استراتيجيته وجعل العالم أكثر توافقًا مع طموحاته التوسعية، مما يعكس انسجامًا غير مسبوق بين ترامب وبوتين في تحقيق مصالحهما المشتركة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 7