على الرغم من أن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب رفع التعريفات الجمركية على واردات الولايات المتحدة إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ أكثر من قرن، فإن نتائج هذه السياسة جاءت أقل بكثير مما كان متوقعاً، وأقل بكثير أيضاً من الوعود التي قدمها خلال ما سُمّي إعلامياً “يوم التحرير الترامبي”.
بحسب البيانات الفعلية، بلغ معدل التعريفة الذي دفعه المستوردون بنهاية سبتمبر/أيلول 2025 نحو 14.1% فقط، أي نحو نصف المعدل الرسمي المعلن الذي وصل إلى 27.4%، بعد أن بلغت ذروته عند 32.8% في أبريل/نيسان من نفس العام. وقد ساهم في هذا التراجع عدد من العوامل، أبرزها الإعفاءات الواسعة لسلع ودول محددة، وتأجيل تطبيق الرسوم على شحنات كانت في الطريق إلى الولايات المتحدة، إضافة إلى إعفاءات هامة لبعض القطاعات الحساسة مثل أشباه الموصلات، التي ساهمت في خفض المعدل الفعلي للتعرفة إلى نحو 9% على هذه المنتجات.
كما استفادت دول مثل كندا والمكسيك من الإعفاءات بموجب اتفاقية التجارة الثلاثية، حتى أصبح نحو 90% من وارداتها من هذين البلدين متوافقة مع الاتفاقية في 2025، مقارنة بأقل من 50% في العام السابق. ولم تقتصر العوامل على الإعفاءات، بل شمل التحايل على الرسوم أيضاً بعض الشركات التي لجأت إلى تعديل بيانات المنشأ أو القيمة الجمركية لتقليل المدفوعات، وهو ما ساهم في تقليل المعدل الفعلي للرسوم على الواردات.
في المقابل، تحملت الشركات والمستهلكون الأميركيون العبء الأكبر لهذه الرسوم، إذ انتقلت نحو 94% من تكلفتها إليهم خلال عام 2025، مقارنة بنسبة 80% تقريباً خلال جولة الرسوم على الصين في 2018–2019. وبذلك، فإن التعريفات لم تحقق أهدافها المفترضة المتمثلة في تحميل الموردين الأجانب العبء المالي، بل ألقت بثقلها على الداخل الأميركي.
وعود اقتصادية لم تتحقق
في 2 أبريل/نيسان 2025، أعلن ترامب عن ما وصفه بـ"تعريفات يوم التحرير"، وقدم وعوداً كبيرة تتعلق بقطاع التصنيع، وخفض الدين الوطني، وتحقيق نمو اقتصادي غير مسبوق. لكن النتائج الفعلية جاءت مخيبة:
وعد العودة الفورية لوظائف التصنيع: لم ينعكس رفع الرسوم إيجابياً على قطاع التصنيع، بل سجل هذا القطاع تباطؤاً خلال 2025 مع فقدان نحو 67 ألف وظيفة بين أبريل ونوفمبر، إضافة إلى تراجع الاستثمار في بناء المصانع.
وعد تقليص الدين الوطني: على الرغم من وعود الإدارة بخفض الدين عبر عائدات الرسوم، ارتفع الدين الأميركي من نحو 36.1 تريليون دولار في أبريل إلى أكثر من 38.2 تريليون دولار بنهاية العام، أي زيادة بأكثر من تريليوني دولار.
وعد النمو الاقتصادي الكبير: رغم أن الاقتصاد سجل نمواً جيداً بلغ 4.3% في الربع الثالث من 2025، فإن هذا النمو لم يكن استثنائياً مقارنة بالسنوات السابقة، واعتمد أساساً على الإنفاق الاستهلاكي الداخلي وليس على أثر مباشر للرسوم، وتقدّر نسبة النمو السنوي لعام 2025 بنحو 3%، أي تحسن محدود مقارنة بعام 2024 وليس الطفرة التي وعد بها ترامب.
خلاصة
سياسة التعريفات الترامبية أعادت رسم بعض خريطة التجارة العالمية، وأدت إلى خفض حصة الصين من الواردات الأميركية إلى نحو 8%، لكنها لم تحقق أهدافها الاقتصادية الداخلية على أرض الواقع. بدلاً من ذلك، حمل الأميركيون تكلفة الرسوم بأنفسهم، فيما بقيت وعود ترامب الكبرى حول التصنيع، والنمو، وتقليص الدين، أكثر شعارات انتخابية من كونها سياسات اقتصادية ناجحة.
النتيجة هي أن “يوم التحرير” لم يكن يوم تحرير فعلي للولايات المتحدة من الضغوط الاقتصادية الخارجية، بل شكل إعادة توزيع العبء نحو الداخل الأميركي دون تحقيق المكاسب المعلنة.