واجهت الحكومة السورية خلال الشهر الأخير من عام 2025 واحدًا من أكثر الاستحقاقات تعقيدًا وحساسية، مع تصاعد التوترات الأمنية والسياسية في منطقة الساحل، ما أعاد هذه الجغرافيا إلى صدارة المشهد السوري، ليس فقط بوصفها منطقة توتر ميداني، بل باعتبارها عقدة سياسية واجتماعية ذات أبعاد أعمق.
وشهدت مدن الساحل، ولا سيما اللاذقية، احتجاجات شعبية ذات طابع معيشي وسياسي، رفعت مطالب تتعلق بتحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية، إلى جانب شعارات حول العدالة والمساءلة ومستقبل شكل الدولة. وجاءت هذه التحركات عقب دعوة أطلقها رئيس ما يُعرف بـ”المجلس الإسلامي العلوي الأعلى”، قبل أن تتطور الاحتجاجات تدريجيًا إلى مواجهات وأعمال عنف متفرقة.
ومع اتساع رقعة التوتر، سُجل سقوط قتلى وجرحى من المدنيين وعناصر الأمن، ما دفع السلطات إلى فرض حظر تجول في بعض أحياء اللاذقية، بالتوازي مع تعزيزات أمنية وانتشار مكثف للقوات الحكومية في الشوارع والمفاصل الحيوية، في محاولة لاحتواء الموقف ومنع انزلاقه نحو فوضى أوسع.
هذه التطورات لم تأتِ من فراغ، بل جاءت على خلفية أحداث سابقة شهدها الساحل خلال الأشهر الماضية، من بينها عمليات أمنية وعسكرية واسعة في مارس/آذار 2025، أعقبت تحركات مجموعات مرتبطة بالنظام السابق، وفق تقارير متداولة، وأسفرت حينها عن سقوط مئات الضحايا من المدنيين وعناصر الأمن، في سياق يعكس حجم التحولات السياسية والأمنية التي تمر بها البلاد.
ويرى متابعون للشأن السوري أن ما جرى في الساحل يمكن قراءته كتصعيد محسوب من حيث الشكل، لكنه يبقى قابلًا للانفلات في أي لحظة، نظرًا لتراكم التوترات، واستمرار تعثر الحلول السياسية الشاملة. فحتى اللقاءات الرسمية التي أُعلن عنها مع وفود تمثل الساحل لم تُترجم، حتى الآن، إلى خطوات عملية ملموسة على الأرض، ما أسهم في إبقاء منسوب القلق مرتفعًا.
ويكتسب توقيت هذه الأحداث بعدًا سياسيًا إضافيًا، إذ تزامن مع دخول الشهر الأخير من المهلة المحددة لتنفيذ اتفاقات سياسية وأمنية في مناطق أخرى من البلاد، أبرزها شرق الفرات، إضافة إلى استمرار حالة الغليان في السويداء، ما يجعل تصعيد الساحل جزءًا من مشهد وطني أوسع، لا مجرد حراك محلي معزول.
في المقابل، تذهب قراءة أخرى إلى أن ما شهدته المنطقة يمثل تحديات محدودة من حيث الحجم، لكنها عالية الحساسية من حيث الموقع والرمزية. فبحسب هذا الطرح، حاولت مجموعات استغلال الأوضاع المعيشية والفراغات الأمنية لإثارة اضطرابات أوسع، الأمر الذي دفع الدولة إلى التدخل السريع، عبر تكثيف الانتشار الأمني، وتوجيه رسائل حازمة بأن الاستقرار يشكل خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.
وأيًا كانت زاوية القراءة، فإن تداعيات الأحداث لم تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل أعادت تثبيت الساحل كملف مفتوح سياسيًا وأمنيًا. وقد تزامن ذلك مع تحركات لملاحقة شخصيات وضباط سابقين يُعتقد أنهم خارج البلاد، ما أعطى انطباعًا بعودة هذا الملف إلى الواجهة ضمن سياق أوسع لإعادة ترتيب المشهد الداخلي.
غير أن الجدل الأكبر تمحور حول طبيعة الخطاب الرسمي والإجراءات اللاحقة، إذ أثار استخدام توصيفات عامة مثل “الفلول” تساؤلات واسعة حول حدود هذا المصطلح ودلالاته، في ظل اعتقالات طالت رجال دين وناشطين ومثقفين، بتهم متشابهة، ما عزز مخاوف من اتساع دائرة الاشتباه بدل حصر المسؤوليات في إطار فردي واضح.
وتنبع حساسية الساحل، وفق مراقبين، من تركيبة مركبة تجمع بين الجغرافيا والهوية والذاكرة السياسية. فالمنطقة تُقرأ داخليًا وخارجيًا من خلال ارتباطها التاريخي بالطائفة العلوية ومركز السلطة السابق، ما يخلق وضعًا مزدوجًا: شعورًا بالخوف من التعميم أو الانتقام من جهة، وقلقًا من الاتهام الجماعي من جهة أخرى.
كما يكتسب الساحل أهمية إضافية بفعل موقعه الاستراتيجي والاقتصادي، إذ يضم الموانئ البحرية الرئيسية للبلاد، ما يجعله شريانًا حيويًا للتجارة وخطوط الإمداد، ويربط استقراره بصورة الدولة وقدرتها على الصمود اقتصاديًا وأمنيًا.
في إدارة هذا الملف، اعتمدت الحكومة مقاربة تمزج بين الحزم والاحتواء. أمنيًا، جرى ضبط الشارع ومنع اتساع رقعة العنف، وسياسيًا، أُطلقت رسائل تؤكد وحدة السوريين ورفض الخطاب الطائفي، إلى جانب وعود بتحسين الخدمات وتخفيف الأعباء المعيشية، والإفراج عن بعض الموقوفين، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي.
ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا حول المسار المستقبلي للتعامل مع الساحل: هل سيستمر التعاطي معه بوصفه ملفًا أمنيًا قابلًا للإدارة المؤقتة، أم ستتجه الدولة نحو معالجة أعمق تعيد بناء الثقة مع المجتمع المحلي، عبر خطاب أكثر ضبطًا، وتحديد واضح للمسؤوليات، وفتح قنوات تواصل شفافة تضمن مشاركة أوسع في صياغة المستقبل؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد بعيد، ليس فقط استقرار الساحل، بل ملامح المرحلة المقبلة في سوريا ككل، في واحدة من أكثر المناطق حساسية وتأثيرًا في معادلة الأمن والسياسة.