كما حدث في كل موجة تكنولوجية كبرى عبر التاريخ، لا يقتصر صعود الذكاء الاصطناعي على تغيير شكل المنتجات والأسواق، بل يتجاوز ذلك ليُنتج نخبة جديدة من أصحاب الثروات خلال فترة زمنية قياسية. هذه المرة، تتشكل طبقة من المليارديرات بوتيرة أسرع من أي طفرة تقنية سابقة، مدفوعة بتقييمات فلكية لشركات لم تختبر منتجاتها بعد في الأسواق.
فإلى جانب الأسماء المعروفة في المشهد التكنولوجي، مثل الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا جنسن هوانغ، والرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي سام ألتمان، برزت موجة جديدة من مؤسسي الشركات الناشئة الذين دخلوا نادي المليارديرات بفضل الارتفاع الحاد في تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي الخاصة. ووفق تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز في ديسمبر/كانون الأول 2025، فإن هذه الثروات تشكلت في كثير من الحالات قبل أن تتحول الأفكار إلى منتجات ناضجة أو نماذج أعمال مستقرة.
وأعادت هذه القفزة السريعة في الثروات إلى الأذهان مشهد فقاعة “الدوت كوم” في أواخر تسعينيات القرن الماضي، عندما تحولت التقييمات المرتفعة إلى ثروات ضخمة على الورق، قبل أن تتعرض لاحقاً لتصحيح قاسٍ أطاح بالعديد من الشركات. وهو تشابه حذرت منه تحليلات نشرتها هارفارد بيزنس ريفيو، التي رأت أن الطفرات التقنية الكبرى غالباً ما تجمع بين الابتكار الحقيقي والمبالغة الاستثمارية في آن واحد.
ثروات تولد من التقييمات لا من الأرباح
من أبرز الأسماء الصاعدة في هذا المشهد الجديد ألكسندر وانغ ولوسي غو، مؤسسا شركة “سكايل إيه آي” (Scale AI)، المتخصصة في وسم البيانات وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. وبحسب بيانات منصة بيتش بوك، شهدت الشركة قفزة كبيرة في تقييمها عقب استثمار ضخم من شركة ميتا، في خطوة اعتبرتها وكالة رويترز جزءاً من سباق الشركات العملاقة لتأمين البنية التحتية الأساسية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي الحديث.
وتكرر السيناريو ذاته في مجال أدوات البرمجة، حيث انضم مؤسسو شركة “كورسور” (Cursor) إلى قائمة المليارديرات بعد جولة تمويل رفعت تقييم شركتهم الأم “أنيسفير” (Anysphere) إلى نحو 27 مليار دولار، وفق تقديرات بيتش بوك. وجاء هذا الارتفاع مدفوعاً بالطلب المتسارع على أدوات كتابة الشيفرات البرمجية المدعومة بالنماذج اللغوية الكبيرة، وهو اتجاه وصفته شركة الاستثمار آندرسون هورويتز بأنه يمثل “التحول الافتراضي الجديد” في صناعة البرمجيات.
طفرة تتجاوز حدود البرمجة
ولا تقتصر موجة الثراء هذه على قطاع البرمجيات وحده، بل تمتد إلى مجالات متعددة داخل منظومة الذكاء الاصطناعي. فقد سجلت محركات البحث الذكية، مثل “بيركسبيلتي” (Perplexity)، ارتفاعات لافتة في تقييماتها، وسط رهان المستثمرين على قدرتها على إعادة تعريف طريقة الوصول إلى المعلومات والمعرفة.
وفي قطاع الروبوتات، نجحت شركة “فيغر إيه آي” (Figure AI) في جذب استثمارات ضخمة لتطوير روبوتات بشرية مدعومة بالذكاء الاصطناعي. واعتبر تقرير لغولدمان ساكس هذا المسار من أكثر رهانات الذكاء الاصطناعي طموحاً، رغم ما ينطوي عليه من تكاليف مرتفعة وتحديات تقنية معقدة.
شركات بمليارات قبل إطلاق المنتجات
اللافت في هذه الموجة أن جزءاً كبيراً من التقييمات الضخمة ذهب إلى شركات لم تطلق بعد منتجات تجارية مكتملة. فشركة “ثنكنغ ماشينز لاب” (Thinking Machines Lab)، التي أسستها ميرا موراتي، وصلت إلى تقييم بعشرات المليارات خلال فترة قصيرة جداً، في مؤشر على أن المستثمرين باتوا يراهنون على الخبرات والكوادر البشرية بقدر رهانهم على المنتجات نفسها، كما نقلت مجلة وايرد.
وينطبق الأمر ذاته على شركة “سايف سوبر إنتليجينس” (Safe Superintelligence)، التي أسسها إيليا سوتسكيفر، إذ نجحت في جمع مليارات الدولارات رغم بقائها في مرحلة البحث والتطوير، في ظل سباق عالمي محموم نحو بناء نماذج ذكاء اصطناعي فائقة مع التركيز على مفاهيم السلامة والسيطرة.
ثراء سريع تحيط به مخاطر
ورغم الأرقام الضخمة، فإن هذه الثروات توصف في كثير من الأحيان بأنها “ثروات على الورق”، إذ إنها مرتبطة بتقييمات شركات خاصة لم تخضع بعد لاختبار الأسواق العامة أو لمعايير الربحية المستدامة. وقد حذرت صحيفة فاينانشال تايمز من أن موجة الذكاء الاصطناعي قد تواجه تصحيحاً مؤلماً، خصوصاً في ظل الارتفاع الكبير في تكاليف البنية التحتية الحاسوبية، واعتماد عدد كبير من الشركات على نماذج أعمال لم تثبت جدواها الاقتصادية بعد.
كما أشارت تحليلات صادرة عن مؤسسات متخصصة في دراسات السوق إلى أن الفجوة بين “الضجة الاستثمارية” والعوائد الفعلية ستتضح خلال السنوات القليلة المقبلة، عندما يُطلب من هذه الشركات إثبات قدرتها على توليد إيرادات حقيقية ومستدامة.
شباب في الواجهة وتمثيل محدود للنساء
وعلى غرار موجات تقنية سابقة، يتصدر المشهد جيل شاب من المؤسسين، إذ إن معظم المليارديرات الجدد في مجال الذكاء الاصطناعي تقل أعمارهم عن الأربعين، وبعضهم في أوائل العشرينيات، وهو نمط تكرر سابقاً مع شركات عملاقة مثل غوغل وفيسبوك في مراحل تأسيسها الأولى.
في المقابل، لا يزال تمثيل النساء محدوداً في هذه الطفرة، وهي حقيقة وثقتها تقارير صادرة عن كرانش بايس والمنتدى الاقتصادي العالمي، التي أشارت إلى استمرار الفجوة الجندرية في منظومة رأس المال المغامر، رغم التوسع الهائل في سوق الذكاء الاصطناعي عالمياً.
وفي المحصلة، تكشف موجة “مليارديرات الذكاء الاصطناعي” عن تحول عميق في موازين القوة الاقتصادية، لكنها تفتح في الوقت نفسه باباً واسعاً للأسئلة حول الاستدامة وحدود الرهان على التقييمات السريعة. وبينما قد يتحول بعض هؤلاء إلى أقطاب تكنولوجية طويلة الأمد، يبقى آخرون مرشحين لأن يكونوا مجرد محطة عابرة في سجل الطفرات التقنية الكبرى.