مقدمة
شهد الاقتصاد السوري خلال عام 2025 مرحلة انتقالية دقيقة بعد سقوط نظام الأسد، إذ انتقل من حالة الانكماش العميق والاضطراب البنيوي إلى بداية استقرار هش، مدفوعًا بتشكيل حكومة انتقالية وإلغاء العقوبات الدولية، مع تبنّي سياسات إصلاحية أولية. رغم ذلك، بقي مستوى المعيشة متدنياً، واستمر أثر الإصلاحات محدوداً على الفقر والبطالة، فيما تراكمت التحديات الهيكلية التي خلفتها سنوات الحرب الطويلة. وقد ركزت الحكومة الجديدة على توحيد السياسات المالية والنقدية، وإطلاق رؤية استثمارية جديدة، وتعزيز اندماج الاقتصاد مع الأسواق الإقليمية والدولية، لكنها تواجه تحدي الانتقال من معالجة الأزمة اليومية إلى بناء نموذج اقتصادي مستدام قادر على خلق فرص عمل وتحقيق نمو متوازن.
1. خطّ الانطلاق – اقتصاد منكمش ومجتمع منهك
عند سقوط النظام، كان الاقتصاد السوري في حالة انهيار بنيوي شديد، حيث أظهر البنك الدولي انكماشاً تراكمياً يفوق 50% في الناتج المحلي مقارنة بعام 2010، مع خسائر كلية تجاوزت 864 مليار دولار. في 2024، سجل الاقتصاد انكماشاً إضافياً بنسبة 1.5%، وانخفض نصيب الفرد إلى نحو 830 دولارًا، ليصبح السوريون فعليًا دولة منخفضة الدخل. ترافق هذا الانهيار مع ارتفاع معدلات الفقر، حيث كان نحو 69% من السكان تحت خط الفقر عام 2022، وثلثهم في فقر مدقع، كما استمر تضخم أسعار المواد الأساسية وانهيار سعر الصرف، وعجز تجاري تجاوز 70% من الناتج، مع دين عام يزيد عن 250% من الناتج المحلي لعام 2023.
الاقتصاد كان يعتمد بشكل كبير على الواردات والاقتصاد غير الرسمي والشبكات الريعية، الأمر الذي زاد من هشاشته وترك المجتمع السوري في حالة منهكة، عاجز عن مواجهة أي صدمة اقتصادية أو اجتماعية.
2. سياسات الحكومة الانتقالية – محاولة لإعادة هندسة الاقتصاد
مع تشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، بدأت السلطة الجديدة توحيد الأطر الاقتصادية المشرذمة خلال سنوات الحرب. شملت السياسات توحيد المالية العامة والنقدية، تحسين حوكمة المال العام، وتنسيق السياسات الاقتصادية بين المناطق المختلفة، بما فيها تلك الخارجة عن سلطة الدولة. كما ركزت الحكومة على إصلاح قطاع الطاقة لضمان كهرباء مستقرة، دعم الفلاحين لتعزيز الأمن الغذائي، إحياء القاعدة الصناعية وحماية المنتج الوطني، وضبط سعر الصرف للحد من المضاربات.
أطلقت الحكومة رؤية تنموية جديدة ترتكز على ثلاثة محاور مترابطة:
تقليل الاعتماد على المساعدات المشروطة.
تحفيز الاستثمارات المحلية والأجنبية عبر بيئة قانونية مرنة ومناطق اقتصادية خاصة.
تعزيز الشفافية ومنع تداخل القرارين السياسي والاقتصادي.
على الصعيد الخارجي، عملت الحكومة على استعادة العلاقات الاقتصادية الإقليمية والدولية، بما أسفر عن رفع كامل للعقوبات الأوروبية والأمريكية عام 2025، وفتح المجال أمام الاستثمار وإعادة الإعمار والاندماج المالي.
3. حصيلة عام الانتقال – استقرار هش ونتائج اجتماعية محدودة
ساهمت السياسات الإصلاحية وتخفيف العقوبات في وقف مسار الانكماش، مع توقع نمو طفيف يقارب 1% في 2025 بعد انكماش 1.5% في 2024. كما شهدت حركة التجارة وتدفُّقات النقد الأجنبي تحسنًا نسبيًا، واستقرارًا أوليًا في سعر الصرف، وبدأت مؤسسات استثمارية إقليمية ودولية استكشاف الفرص في السوق السورية.
مع ذلك، ظل الأثر الاجتماعي محدودًا، حيث ما زال نحو ثلث السكان في فقر مدقع، وظل ثلثا السوريين تحت خطوط الفقر. استمرت أزمات الأمن الغذائي، البطالة، وضعف الخدمات العامة، ما يؤكد أن سنة واحدة من الإصلاحات لا تكفي لعكس تراكمات الانهيار الطويل. ويحتاج الاقتصاد السوري إلى الانتقال من "إدارة الأزمات" إلى "أجندة تحوّل بنيوي" قادرة على إعادة بناء نموذج إنتاجي مستدام.
4. نحو مسار تعافٍ مستدام – ملامح الأجندة الاقتصادية المستقبلية
يُعد عام 2026 اختبارًا حاسمًا لقدرة الحكومة على الانتقال من معالجة الأزمات الآنية إلى بناء أسس تحوّل اقتصادي طويل الأجل، عبر حزمة سياسات مترابطة تشمل:
برنامج استقرار متدرج يوازن بين ضبط العجز والدين وحماية الإنفاق الاجتماعي.
إصلاح قطاع الطاقة، بما يشمل إعادة هيكلة التعرفة وتحفيز الاستثمار في الشبكات التوليدية واللامركزية، واستبدال الدعم العيني بتحويلات نقدية مباشرة للفئات الضعيفة.
إطلاق أجندة إنتاجية وطنية للقطاعات القادرة على خلق فرص عمل واسعة، خصوصًا الزراعة والصناعات كثيفة العمالة، وربط المناطق الاقتصادية الخاصة بحوافز للتوظيف الرسمي والتصدير.
تفعيل دور الشتات السوري عبر أدوات مالية موجهة للمغتربين، مثل الصكوك والصناديق الاستثمارية، مع ضمانات قانونية لحقوق الملكية والتحويلات.
بناء منظومة حوكمة قوية لمكافحة الفساد، مع حوكمة رقمية لعمليات الجباية والإنفاق ونشر بيانات مالية عامة بشكل دوري، وربط الإصلاح الاقتصادي بمسار العدالة الانتقالية لإعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.