شهدت محافظة اللاذقية خلال الأيام الماضية حالة من التوتر الأمني والاجتماعي، أسفرت عن مقتل عدد من الأشخاص وإصابة آخرين، إضافة إلى أضرار لحقت بالممتلكات العامة والخاصة، وذلك على خلفية احتجاجات وأعمال شغب في عدد من أحياء المدينة.
وأكدت السلطات المحلية أن هذه الأحداث جاءت نتيجة استجابة بعض المواطنين لدعوات ذات طابع طائفي صدرت من جهات خارج البلاد، مشيرة إلى أن هذه الدعوات استهدفت إثارة الانقسام بين أبناء المحافظة ودفعهم نحو مواجهات داخلية غير مسبوقة في تاريخ المنطقة.
وشددت الجهات الرسمية على أن اللاذقية تضم نسيجًا اجتماعيًا متنوعًا عاش لسنوات طويلة دون اقتتال داخلي، مؤكدة أن الأجهزة الأمنية تدخلت لفرض الاستقرار ومنع توسع الفوضى، مع انتشار مكثف لقوات الأمن ووصول تعزيزات عسكرية من مواقع قريبة.
وسُجلت اعتداءات على مرافق خدمية، من بينها مركز كهرباء في مدينة جبلة، ما أدى إلى أضرار مادية وإصابة أحد العاملين، قبل أن تتم السيطرة على الوضع ومنع تفاقم الخسائر.
كما أعلنت السلطات الصحية عن سقوط قتلى وإصابة العشرات، بينهم عناصر من قوى الأمن، نتيجة الاعتداءات التي رافقت الاحتجاجات. وفي السياق نفسه، تم الإفراج عن عدد من الموقوفين استجابة لمطالب محلية، مع تأجيل الإفراج عن آخرين بسبب التوتر القائم.
ودعت المحافظة المواطنين إلى العودة للحياة الطبيعية، وعدم الانجرار وراء دعوات التحريض، مؤكدة إطلاق حملة لملاحقة الجهات التي تقف خلف الدعوات التحريضية ومحاسبتها وفق القانون.
تعكس أحداث اللاذقية الأخيرة حجم الهشاشة التي يمكن أن تصيب المجتمعات المحلية عندما يُستَخدم الخطاب الطائفي كأداة تعبئة سياسية أو ضغط اجتماعي. فالمحافظة، التي عُرفت تاريخيًا باستقرارها النسبي وتنوعها الاجتماعي، وجدت نفسها فجأة أمام مشهد غير مألوف من الاحتقان والعنف المتبادل.
اللافت في هذه التطورات ليس فقط حجم الخسائر، بل طبيعة الخطاب الذي سبقها. فالدعوات التي رُفعت تحت شعارات مطلبية سرعان ما انزلقت إلى لغة استقطاب حاد، ما فتح الباب أمام توظيف الشارع في صراعات تتجاوز المطالب المحلية، وتمس بنية السلم الأهلي.
من الناحية الاجتماعية، يشكل هذا النوع من التحريض خطرًا مضاعفًا، لأنه يضرب الثقة بين مكونات المجتمع الواحد، ويحوّل الخلافات السياسية أو الخدمية إلى صراع هوياتي، يصعب احتواؤه لاحقًا. وهذا ما يفسر التشديد الرسمي المتكرر على أن أبناء اللاذقية “يد واحدة”، في محاولة لإعادة تثبيت خطاب جامع في مواجهة خطاب الانقسام.
أمنيًا، تبدو السلطات أمام معادلة معقدة: حماية حق التظاهر السلمي من جهة، ومنع تحول الشارع إلى ساحة فوضى أو اعتداء على الممتلكات العامة والخاصة من جهة أخرى. التدخل الأمني المكثف وانتشار القوات يعكسان إدراكًا رسميًا لخطورة ترك الأمور تتطور دون ضبط، خصوصًا في بيئة مشحونة.
سياسيًا، تكشف الأحداث عن استمرار محاولات بعض الأطراف الخارجية الاستثمار في التوترات المحلية، سواء عبر التحريض المباشر أو عبر تضخيم المظالم، بهدف خلق حالة عدم استقرار قابلة للتوظيف لاحقًا. وهنا، يصبح الوعي المجتمعي خط الدفاع الأول، إلى جانب الإجراءات الأمنية والقانونية.
في المحصلة، ما جرى في اللاذقية لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي تمر به البلاد، حيث تتداخل المطالب المعيشية مع الحسابات السياسية، ويصبح الخطاب الطائفي أداة سهلة لكنها مدمرة. تجاوز هذه المرحلة يتطلب معالجة حقيقية للمطالب المشروعة، بالتوازي مع مواجهة حازمة لكل أشكال التحريض، حفاظًا على السلم الأهلي ومنع تكرار السيناريو ذاته في مناطق أخرى.