في خطوة تحمل أبعادًا قانونية وسياسية متشابكة أعلنت الحكومة اللبنانية توجهها نحو تسليم أكبر عدد ممكن من السجناء السوريين إلى دمشق ضمن إطار قانوني منظم في محاولة معالجة ملف ثقيل طالما شكّل عبئًا على السجون اللبنانية وعلى العلاقات الثنائية بين البلدين، أعلن نائب رئيس الحكومة طارق متري أن المسار المطروح خضع لنقاشات مطوّلة داخل مجلس الوزراء وعُرض على خبراء قانونيين لأشهر في ظل تباين داخل الحكومة حول آليات التنفيذ وحدوده
جاء هذا التوجه في سياق تغيّر أوسع في طبيعة العلاقة بين بيروت ودمشق منذ ديسمبر 2024 بعد سقوط نظام بشار الأسد وبدء مرحلة سياسية جديدة في سوريا ووفق معطيات رسمية لبنانية يقدّر عدد السجناء السوريين في السجون اللبنانية بنحو 2300 سجين موزعين على ملفات جنائية وأمنية مختلفة ما يجعل الملف ذا أبعاد إدارية وأمنية وإنسانية في آن واحد وتسعى الحكومة اللبنانية من خلال هذا المسار إلى تخفيف الاكتظاظ في السجون وتحويل العبء القضائي إلى الدولة المعنية بجنسيات هؤلاء السجناء مع الحفاظ على معايير قانونية تمنع أي خرق لحقوق الضحايا أو المتضررين داخل لبنان
المقاربة التي تطرحها بيروت تقوم على استثناء فئات محددة من التسليم وعلى رأسها المتورطون في جرائم ضد الجيش اللبناني أو في قضايا تفجيرات وأعمال تهدد الأمن القومي وهو يعكس حرصًا رسميًا على الفصل بين البعد الإنساني والإداري من جهة والاعتبارات الأمنية من جهة أخرى وفي هذا الإطار جرى تشكيل لجان لبنانية سورية مشتركة لتدقيق الملفات وتحديد آليات التسليم إضافة إلى بحث ملفات مفقودين لبنانيين داخل الأراضي السورية يمنح الملف بعدًا تفاوضيًا متبادلاً.
سياسيًا يحمل هذا المسار دلالة على رغبة لبنانية في إعادة تنظيم العلاقة مع دمشق على قاعدة أكثر توازنًا وفق توصيف متري الذي أشار إلى أن الفرصة المطروحة اليوم تختلف عن المراحل السابقة من حيث طبيعة التعاطي والتنسيق وفي المقابل يظل هذا التوجه مرهونًا بقدرة الطرفين على ترجمة الإطار القانوني إلى إجراءات عملية واضحة تحديداً في ظل حساسية الرأي العام اللبناني تجاه أي تعاون أمني أو قضائي مع سوريا.
عمليًا يشكل ملف السجناء اختبارًا مبكرًا لجدية التنسيق اللبناني السوري في المرحلة الجديدة كما يعكس سعي الحكومة اللبنانية إلى إدارة ملفاتها الداخلية الثقيلة عبر حلول قانونية تدريجية بدل تركها عالقة في دائرة التجاذب السياسي والضغوط الأمنية المستمرة.