في ظل استمرار السلطة التنفيذية السورية في إدارة شؤون الدولة وإصدار مراسيم وقرارات تمس جوانب قانونية واقتصادية وإدارية حساسة، يبرز غياب مجلس الشعب كأحد أبرز الإشكاليات في المرحلة الانتقالية، حيث لا تزال البلاد تعيش حالة فراغ تشريعي واضح بانتظار استكمال تشكيل المجلس وبدء عمله رسميًا.
وعلى الرغم من تصريحات وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في الثاني من تشرين الثاني الماضي، التي أشار فيها إلى أن أولى جلسات مجلس الشعب الجديد ستُعقد قبل نهاية الشهر ذاته، فإن المجلس لم يرَ النور حتى اليوم، ولا يزال تشكيله معلقًا بانتظار تعيين الأعضاء من قبل رئيس الجمهورية.
وفي هذا السياق، أوضح الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، خلال زيارته إلى مدينة حلب في 30 من تشرين الثاني الماضي، أن تأخر الإعلان عن أسماء الأعضاء السبعين الذين سيُختارون لعضوية المجلس يعود إلى تعقيدات مرتبطة بآلية الاختيار والواقع المجتمعي القائم في البلاد. وأشار إلى أن حالة الاستقطاب الاجتماعي الحاد في سوريا قد تقود إلى نتائج لا تعبّر عن كامل مكونات المجتمع، ما استدعى التريث والتدقيق في الاختلالات التي قد تنتج عن أي عملية انتخابية أو تعيينية غير مدروسة.
وأكد الشرع أن الهدف من تشكيل المجلس ليس إنشاء هيئة شكلية قائمة على التوازنات فقط، بل اختيار شخصيات تمتلك الخبرة والكفاءة والقدرة الحقيقية على سن القوانين، في مرحلة وصفها بأنها مرحلة إعادة بناء الدولة، وصياغة منظومة قانونية ورؤية جديدة تتلاءم مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
كيف تُسنّ القوانين في ظل الغياب التشريعي؟
الإعلان الدستوري الذي صادق عليه الرئيس أحمد الشرع في آذار الماضي، لا يتيح أي آلية بديلة لسن القوانين خارج إطار السلطة التشريعية، إذ حصر صلاحية التشريع بمجلس الشعب، بينما قيّد دور السلطة التنفيذية بإصدار المراسيم التنظيمية والإدارية والفردية فقط، دون أن يمنحها حق إصدار القوانين.
في هذا الإطار، أوضح الباحث في مركز “الحوار السوري”، نورس العبد الله، في حديثه لصحيفة عنب بلدي، أن السلطة التنفيذية لا تملك أي صلاحية لإصدار قوانين في غياب السلطة التشريعية، ولا يوجد أي اجتهاد فقهي أو دستوري معتبر يبرر ذلك. وبيّن أن ما تصدره الحكومة حاليًا يندرج ضمن المراسيم التنظيمية أو الإدارية أو الفردية، وليس قوانين بالمعنى الدستوري.
وأشار العبد الله إلى أن ما جرى حتى الآن يمكن فهمه في سياق “الضرورة الواقعية” التي فرضها غياب مجلس الشعب، إلا أنه شدد على ضرورة التمييز بين نوعين من المراسيم:
الأول، مراسيم تدخل ضمن الصلاحيات الطبيعية للسلطة التنفيذية، مثل التعيينات وتنظيم العمل الإداري وضمان حسن سير المرافق العامة.
والثاني، مراسيم ذات طابع تشريعي، يُفترض أن تُطرح لاحقًا أمام مجلس الشعب كمشاريع قوانين، وفي حال إقرارها تتحول إلى قوانين نافذة.
من جانبه، رأى الدكتور في القانون العام أحمد قربي أن الإعلان الدستوري لم ينص أصلًا على أي آلية مؤقتة لسد الفراغ التشريعي، ما جعل البلاد تعتمد بالكامل على مراسيم تصدر عن رئاسة الجمهورية كحل استثنائي فرضته الحاجة، لكنه يظل بلا أساس دستوري صريح.
أما الأستاذ في القانون الدستوري سام دلة، فذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن ما يصدر اليوم يندرج ضمن “تشريعات أمر واقع” صادرة عن سلطة غير دستورية، ولا تلتزم حتى بالقواعد التي وضعها الإعلان الدستوري نفسه. وأبدى تشكيكه في قدرة أي مجلس شعب يُشكَّل لاحقًا بآلية تعيين على إحداث تغيير جوهري، معتبرًا أنه سيكون أقرب إلى أداة تصديق على ما صدر مسبقًا، لا سلطة رقابة ومراجعة مستقلة.
قابلية الطعن والمراجعة مستقبلًا
غياب مجلس الشعب، إلى جانب غياب قضاء دستوري مستقل، يطرح تساؤلات جدية حول قابلية المراسيم الصادرة حاليًا للطعن أو المراجعة في المستقبل.
ويرى الدكتور أحمد قربي أن البرلمان المقبل يمتلك، من حيث المبدأ، صلاحية كاملة للتعامل مع كل ما صدر منذ إقرار الإعلان الدستوري، سواء عبر الإلغاء أو التعديل أو الإبقاء، مستندًا في ذلك إلى المادة “30” من الإعلان الدستوري التي تحصر هذه الصلاحيات بالسلطة التشريعية، ما يجعل المراجعة ممكنة ضمن الإطار البرلماني.
في المقابل، يشكك سام دلة بجدوى هذا المسار، معتبرًا أن أي مجلس يُشكَّل بقرار من السلطة التنفيذية لن يشكل ضمانة حقيقية للمساءلة أو المراجعة، بل سيكرس الأمر الواقع القائم. وأضاف أن غياب محكمة دستورية عليا مستقلة منبثقة عن مسار وطني جامع، يجعل الحديث عن الطعن القضائي أقرب إلى نقاش نظري يفتقر إلى أدوات التنفيذ.
مخاطر استمرار الفراغ التشريعي
تواصل الحكومة السورية إدارة البلاد بالاستناد إلى القوانين السارية في عهد النظام السابق، مع إدخال تعديلات محدودة نص عليها الإعلان الدستوري، في ظل عجز واضح عن معالجة ملفات تتطلب تشريعات حديثة تتناسب مع الواقع السياسي والاقتصادي الجديد.
وقد أدى هذا الفراغ إلى صدور قرارات لا تستند إلى أساس تشريعي واضح، وبعضها يتعارض مع أطر دستورية سابقة، كما انعكس غياب السلطة التشريعية على عمل السلطة القضائية، التي تواجه شللًا جزئيًا في البت بقضايا متعددة بسبب غياب قوانين حديثة تستند إلى مرجعية تشريعية قائمة.
ويرى نورس العبد الله أن غياب مجلس الشعب أوجد فجوة كبيرة ينبغي إنهاؤها في أقرب وقت ممكن، مشيرًا إلى أن أضرار تأخير التشكيل تفوق بكثير فوائد الانتظار. ومع ذلك، اعتبر أن المخاطر القانونية ليست بالغة الحد، لأن صلاحية التصديق أو الرفض النهائي للقوانين والاتفاقيات ستبقى من اختصاص المجلس عند تشكيله، وهو ما قد يشكل نوعًا من التكامل المرحلي بين السلطات في هذه المرحلة الانتقالية الحساسة.
وفي سياق متصل، أشار عضو اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، أنس العبدة، إلى أن نحو 800 قانون نافذ حاليًا في سوريا يشكل عبئًا كبيرًا على المواطنين والمؤسسات الحكومية، ويحتاج إلى مراجعة شاملة للتعديل أو الإلغاء. وأضاف في مقابلة مع قناة “الإخبارية السورية” في الأول من تشرين الثاني الماضي، أن المجلس سيعمل على إقرار قوانين تهدف إلى تحسين الخدمات وتخفيف الأعباء عن المواطنين.
مصير الاتفاقيات الدولية
خلال الفترة الماضية، أبرمت الحكومة السورية عددًا من الاتفاقيات باسم الدولة السورية، في وقت كانت فيه البلاد تفتقر إلى سلطة تشريعية قائمة تمتلك الصلاحية الدستورية للتصديق على هذا النوع من الالتزامات.
وبينما يجيز الإطار الدستوري للسلطة التنفيذية توقيع الاتفاقيات، فإن نفاذها القانوني يبقى مشروطًا بعرضها على مجلس الشعب وإقرارها، لا سيما تلك التي ترتب التزامات طويلة الأمد أو تمس السيادة الوطنية والموارد العامة.
وأوضح نورس العبد الله أن التعامل مع الاتفاقيات الدولية يتطلب التمييز بين مستويين:
الأول، ما ينص عليه الإعلان الدستوري، حيث تؤكد المادة “30” اختصاص مجلس الشعب بالتصديق على المعاهدات الدولية، وهو إجراء لاحق للتوقيع الذي يدخل ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية.
والثاني، مبادئ القانون الدولي العام، التي تميز بين المعاهدات الكبرى والاتفاقيات التنفيذية أو الفنية التي لا تستلزم تعديلًا قانونيًا ولا ترتب التزامات تمس السيادة، والتي لا تحتاج إلى تصديق برلماني.
من جهته، أكد الدكتور أحمد قربي أن أي اتفاقية دولية تفرض التزامات اقتصادية أو عسكرية أو أمنية على البلاد، يجب عرضها على البرلمان حتى تكتسب الصفة القانونية الكاملة. وأضاف أن أي اتفاقية تُوقّع دون موافقة السلطة التشريعية تبقى في وضع قانوني “ناقص”، ولا تُعد ملزمة للدولة السورية بموجب الإعلان الدستوري، إلى حين إقرارها رسميًا من مجلس الشعب.