في الذكرى السنوية الأولى لتحرير سوريا، تزاحمت الاحتفالات والمناسبات في مختلف المناطق السورية، في مشهد غير مألوف بتاريخ بلدٍ عاش لعقود طويلة تحت وطأة القمع والسجون والاضطهاد. هذا الشعب، الذي عانى ما يصفه الكاتب د. أحمد موفق زيدان بأنه “جمهورية المآسي” منذ وصول حزب البعث إلى الحكم عام 1963، وجد نفسه أخيرًا أمام لحظة تاريخية فارقة مع سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024.
ويرى الكاتب، في مقال نشره على “الجزيرة نت”، أن أبرز ما ميّز الذكرى الأولى للتحرير لم يكن الطابع الرسمي للاحتفالات، بل المظاهرات العفوية التي خرجت في مختلف المدن والبلدات السورية، وامتدت حتى إلى تجمعات السوريين في الخارج. هذه المشاهد، بحسب زيدان، عكست حالة استفتاء شعبي حقيقي، وتصويتًا عمليًا لصالح العهد الجديد، ما عزز الانتماء الوطني للجمهورية الثانية، ورسّخ الوحدة الوطنية حول هدف جامع يتمثل في تحرير سوريا وبناء مستقبلها.
وجاء فيلم “ردع العدوان” متزامنًا مع هذه الذكرى، ليشكّل عنصرًا مكملًا لهذه الحالة العامة. ويشير الكاتب إلى أن الفيلم لم يكن مجرد عمل توثيقي، بل محاولة لسرد حكاية الإعداد الطويل الذي سبق لحظة التحرير، إعداد استمر سنوات، حتى التقت الفرصة بالجاهزية، فاستثمرها الثوار حين انطلقت قواتهم من الشمال السوري بهدف تطهير البلاد من نظام كبّلها لعقود.
ومن أبرز الرسائل التي يتوقف عندها د. أحمد موفق زيدان أن معركة “ردع العدوان” لم تكن ردّة فعل آنية أو حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة مسار طويل بدأ منذ الاجتياح الواسع الذي تعرضت له مناطق من الشمال السوري عام 2019. ذلك الاجتياح، الذي كان الكاتب شاهدًا عليه، أسفر عن خسارة الثوار مساحات واسعة من أرياف حماة وحلب وإدلب، إضافة إلى تهجير أكثر من مليون مدني، في واحدة من أقسى مراحل الصراع.
لكن، ووفق قراءة الكاتب، فإن تلك الخسارة لم تكن نهاية الطريق. فالإرادة والعزيمة اللتين تحلى بهما الثوار، وعلى رأسهم هيئة تحرير الشمال، مكّنتهم خلال خمس سنوات فقط من إعادة بناء قدراتهم العسكرية والأمنية والخدمية. ويشبّه زيدان هذا المسار بوثبة الأسود التي تتراجع خطوة أو خطوتين قبل أن تنقض بقوتها الكاملة، وهو ما تحقق فعليًا في السابع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مع انطلاق معركة “ردع العدوان” من قبتان الجبل وريف حلب الغربي، قبل أن تمتد محاور القتال إلى إدلب، ثم تتقدم القوات لتحرير المدن الكبرى وصولًا إلى دمشق خلال أحد عشر يومًا فقط.
ويخصص الكاتب حيزًا مهمًا للحديث عن تجربة إدلب، معتبرًا أنها شكّلت نموذجًا لافتًا في توحيد القرار العسكري والسياسي والخدمي. فقد جرى دمج الفصائل ضمن إطار واحد، تمثّل بحكومة الإنقاذ، التي نجحت، رغم محدودية الإمكانيات، في تقديم نموذج خدمي متقدم مقارنة بالنماذج الأخرى المطروحة في الساحة السورية، سواء نموذج النظام البائد أو نموذج “قسد”. هذا الواقع، بحسب زيدان، دفع كثيرًا من السوريين في مناطق سيطرة النظام السابق إلى الهجرة نحو الشمال المحرر، بحثًا عن الخدمات والأمن والاستقرار النسبي.
كما يتوقف الكاتب عند الدور المحوري للعمل الأمني، مشيرًا إلى الاختراق العميق الذي حققته المنظومة الأمنية في إدلب داخل أجهزة النظام السابق. ويبرز في هذا السياق الحديث عن عملية اختراق قادت إلى تهريب مجموعة من الانغماسيين الذين لعبوا دورًا حاسمًا في اقتحام غرفة العمليات في حي الفرقان بحلب، وهو ما يعكس، برأي زيدان، مستوى عاليًا من الاحترافية والمهنية، ويؤكد استقلالية القرار العسكري السوري.
ويؤكد الكاتب أن معركة “ردع العدوان” تميّزت بطابع إنساني غير مسبوق مقارنة بكثير من المعارك الحديثة، إذ شاهد العالم خروج آلاف من عناصر النظام المنهزمين من دمشق، في وقت دخلت فيه القوات المنتصرة المدينة متوجهة إلى السجون، وعلى رأسها صيدنايا، تنفيذًا للقسم الذي قطعه الثوار منذ انطلاق الثورة بتحرير المعتقلين، رغم أن الأعداد التي عُثر عليها كانت أقل بكثير من التوقعات.
وفي قراءة أوسع للمعركة، يرى د. أحمد موفق زيدان أنها لم تكن مواجهة عسكرية فقط، بل معركة متعددة الأبعاد، عكست ذكاءً سياسيًا وعسكريًا في آن واحد. ويتجلى ذلك، بحسبه، في الرسائل التي وُجهت إلى الدول المختلفة، والتي هدفت إلى تبديد مخاوفها وطمأنتها، بما يخدم مصالح الدولة السورية الجديدة.
ويشدد الكاتب على أن شعار “نصر بلا ثأر” لم يكن مجرد خطاب عاطفي، بل سياسة عملية نجحت في ضبط الشارع السوري ومنع الانزلاق إلى الفوضى. وقد ظهر ذلك جليًا في اليوم التالي للتحرير، حين فاجأ المشهد الحضاري في مدن حلب وحماة وحمص كثيرين ممن راهنوا على سيناريوهات النهب والفوضى. ويعزو زيدان هذا النجاح إلى الدور الفاعل الذي لعبته حكومة الإنقاذ، عبر نقل كوادرها بسرعة إلى المدن المحررة لحماية المؤسسات وتأمين الخدمات، ما شجّع مدنًا أخرى على التفاعل الإيجابي مع الواقع الجديد.
وفي ختام قراءته، يقرّ الكاتب بأن الفيلم، رغم أي ملاحظات جزئية قد تُسجل عليه، يمثل جهدًا فنيًا مهمًا ورواية رسمية لمرحلة مفصلية من تاريخ سوريا، لكنه في الوقت نفسه لا يكفي لتوثيق سنوات طويلة من الصمود والمعاناة. فسنوات الجمر السورية، التي شهدت استخدام الأسلحة المحرمة مئات المرات، إلى جانب البراميل المتفجرة، تحتاج إلى أعمال توثيقية أوسع، تحفظ ذاكرة شعب لم يستسلم، وبقي وفيًا لقسمه بإسقاط النظام، وهو ما تحقق أخيرًا.