في خطوة تاريخية، رحلت ألمانيا مهاجراً سورياً مداناً بتهم جنائية إلى دمشق صباح اليوم الثلاثاء، في أول عملية ترحيل مباشرة منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا قبل نحو 14 عاماً. وأفادت وزارة الداخلية الألمانية أن المهاجر قضى عقوبة السجن في ولاية شمال الراين – ويستفاليا غرب ألمانيا، بتهم تتعلق بالسطو في ظروف مشددة، الإيذاء الجسدي، والابتزاز.
وقال وزير الداخلية الألماني، ألكسندر دوبرينت، إن “لمجتمعنا مصلحة مشروعة في ضمان مغادرة المجرمين أراضينا”، مؤكداً أن عمليات الترحيل إلى سوريا وأفغانستان يجب أن تكون ممكنة، وأن الحكومة تسعى لضمان استعادة الأمن الاجتماعي وطمأنة المواطنين القلقين بشأن الهجرة والجريمة.
يأتي هذا الترحيل ضمن اتفاق توصلت إليه ألمانيا مع دمشق وكابول لإتاحة المجال لعمليات ترحيل دورية “لمجرمين وأفراد خطرين” في المستقبل، بعد أشهر من المناقشات والتنسيق مع السلطات في البلدين. وقد رحلت ألمانيا أيضاً مواطناً أفغانياً أمس الثلاثاء، أمضى عقوبة في سجن جنوب بافاريا إثر إدانات متعلقة بالإيذاء الجسدي وجرائم متعددة.
وتأتي هذه الخطوة في ظل إرث سياسة الباب المفتوح التي تبنتها المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، والتي أتاح وصول نحو مليون سوري إلى ألمانيا خلال سنوات الحرب. ومع صعود الاهتمام الشعبي بالهجرة، خاصة مع تصاعد حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف في استطلاعات الرأي، تبنت الحكومة الجديدة بقيادة المستشار المحافظ فريدريش ميرتس نهجاً أكثر صرامة في إجراءات أمن الحدود وتسريع عمليات الترحيل.
وقد أعادت الحكومة الجديدة تنفيذ الترحيل المباشر إلى أفغانستان بعد توقيفه مؤقتاً عقب استيلاء طالبان على السلطة، بالتنسيق مع ممثلين عن الحكومة الأفغانية الفعلية، ما يعكس توجه الحكومة الألمانية نحو تنسيق أكثر صرامة مع السلطات الأجنبية لضمان العودة الآمنة للمجرمين المدانين.
ردود فعل وانتقادات
نددت منظمات حقوقية بقرار ترحيل المهاجرين إلى سوريا وأفغانستان، مشيرة إلى انعدام الاستقرار وانتهاكات حقوق الإنسان المستمرة في البلدين، معتبرة أن مثل هذه الخطوات تعرض المرحلين لمخاطر جسيمة. ورغم ذلك، اعتبرت الحكومة الألمانية أن ضمان خروج المجرمين من أراضيها يشكل أولوية دبلوماسية وأمنية، مع التركيز على تفادي أي تأثير سلبي على الأمن المجتمعي وطمأنة المواطنين.
وتبرز هذه الخطوة التوازن الصعب بين الضغط السياسي الداخلي لتقليل مخاوف المواطنين بشأن الجريمة والهجرة وبين الالتزامات الدولية لحماية حقوق الإنسان، خصوصاً في مناطق ما زالت تعاني من النزاعات وعدم الاستقرار.
تحليل
يعكس ترحيل السوري إلى بلاده للمرة الأولى منذ 2011 تحولاً ملموساً في سياسة ألمانيا تجاه الهجرة والأمن الداخلي. فالخطوة لا تهدف فقط إلى تطبيق القانون ضد مرتكبي الجرائم، بل تأتي أيضاً ضمن استراتيجية لإعادة فرض السيطرة على الحدود والحد من المخاطر الاجتماعية المرتبطة بالهجرة الجماعية السابقة.
في الوقت نفسه، يسلط القرار الضوء على التحديات الحقوقية الدولية، إذ يواجه المرحلون احتمال التعرض لمخاطر جسيمة في بلد منشأهم، خصوصاً بعد مرحلة الحرب الطويلة وما تبعها من عدم استقرار سياسي وأمني. ويشير التحليل إلى أن ألمانيا تحاول التوازن بين استعادة الأمن المجتمعي والالتزام بالقوانين الدولية، وهو اختبار صعب على الحكومة الجديدة في ظل الضغط الداخلي وصعود القوى السياسية المعادية للهجرة.