ترى صحيفة الغارديان البريطانية أن أوروبا تمرّ اليوم بأضعف مراحل حضورها السياسي والأخلاقي في الشرق الأوسط، بعد سنوات من الارتهان شبه الكامل للسياسات الأميركية، وهو ما أفقدها نفوذها التقليدي ومصداقيتها لدى شعوب ودول المنطقة. ووفق تحليل الصحيفة، فإن الحرب على غزة، والتخلي الأوروبي عن دور مستقل في الملف النووي الإيراني، شكّلا نقطتي تحوّل حاسمتين أسهمتا في إقصاء أوروبا عن المشهد الإقليمي، في وقت صعدت فيه قوى إقليمية بديلة، على رأسها دول الخليج وتركيا.
غير أن الغارديان تشير إلى أن هذا التراجع لا يعني الغياب الكامل، إذ ما تزال سوريا وبلاد الشام تمثلان مساحة محدودة، لكنها محتملة، لعودة دور أوروبي مختلف، يتركز على دعم الاستقرار وبناء أنماط حكم في مرحلة ما بعد نظام بشار الأسد.
ما بعد الأسد: قيادة جديدة وسياق إقليمي مضطرب
بعد عام على سقوط نظام بشار الأسد، تتوقف الصحيفة عند التحولات التي شهدتها سوريا، مع وصول أحمد الشرع، المقاتل الجهادي السابق، إلى رئاسة البلاد. وخلال مشاركته في منتدى الدوحة مطلع هذا الشهر، قدّم الشرع خطاباً ركّز فيه على مستقبل تشاركي قائم على القوانين والمؤسسات، متجنباً الخوض في تفاصيل ماضيه المثير للجدل. هذا المشهد، وفق الغارديان، يعكس تعقيد المرحلة السورية، لكنه في الوقت ذاته يسلّط الضوء على الفراغ الذي تركه تراجع الدور الأوروبي في الشرق الأوسط.
فالانسحاب الأوروبي لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة مسار طويل من فقدان الاستقلالية السياسية، خاصة بعد المواقف الأوروبية من الحرب على غزة، وابتعادها عن أي مبادرة دبلوماسية فاعلة في الملف الإيراني، ما جعل حضورها في المنطقة باهتاً إلى حد كبير.
من الهيمنة إلى التبعية: أوروبا في ظل الدور الأميركي
تعيد الغارديان جذور هذا التراجع إلى ما بعد أزمة السويس عام 1956، التي مثّلت نهاية الحقبة الاستعمارية الأوروبية في الشرق الأوسط. منذ ذلك الحين، أقنعت أوروبا نفسها بلعب دور ثانوي خلف الولايات المتحدة، بحيث بات القرار النهائي في يد واشنطن، حتى عندما لا يحظى بموافقة الحكومات الأوروبية أو الرأي العام فيها، كما حدث خلال غزو العراق عام 2003.
ورغم ذلك، حافظت العلاقة العابرة للأطلسي على نوع من التوازن، مستندة إلى ما يشبه عقداً غير مكتوب، وفّر لأوروبا مظلة أمنية أميركية مقابل دعمها السياسي. وضمن هذا الإطار، لعبت الدول الأوروبية أدواراً محدودة لكنها مؤثرة، كما في دعم عملية السلام عبر اتفاق أوسلو، ومساندة منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها نواة لدولة قيد التشكل، إضافة إلى الدور الدبلوماسي البارز الذي قادته أوروبا في التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران.
غير أن هذا الدور ظل دائماً محكوماً بسقف الدعم للقيادة الأميركية، ومحاولة ضبط اندفاعها من دون كسر الشراكة. ومع مرور الوقت، تبيّن أن هذا الإطار لم يعد قائماً.
حرب أوكرانيا وتكلفة الاصطفاف الأعمى
تعتبر الغارديان أن الحرب في أوكرانيا شكّلت نقطة كسر حقيقية للسياسة الأوروبية. فالصراع لم يستهلك فقط القدر الأكبر من طاقة السياسة الخارجية الأوروبية، بل شوّه أيضاً موقف أوروبا من الشرق الأوسط. إذ أصبح الحصول على الدعم الأميركي في أوكرانيا، خصوصاً في ظل إدارة ترمب، مشروطاً بتبنّي سياسات واشنطن في الشرق الأوسط دون نقاش، بما في ذلك القصف الأميركي لإيران، في تجاوز واضح للقانون الدولي.
وتلفت الصحيفة إلى أن إيران، رغم سجلها الإشكالي في حقوق الإنسان وبرنامجها النووي ودعمها لقوى إقليمية مسلحة، تحولت فجأة في الخطاب الأوروبي إلى خصم مباشر، لا بسبب سياساتها الداخلية فقط، بل لانحيازها الاستراتيجي إلى روسيا.
في الوقت نفسه، لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى أوروبا كشريك أساسي في الشرق الأوسط، إذ باتت تتعامل مباشرة مع قوى إقليمية صاعدة مثل السعودية وقطر والإمارات وتركيا. هذا التهميش بدأ منذ إدارة جو بايدن، نتيجة انسحاب أوروبا الطوعي من المنطقة، لكنه أصبح أكثر وضوحاً في عهد ترمب، الذي سعى صراحة إلى تقليص الدور الأوروبي.
فقدان المصداقية: أوروبا بلا نفوذ ولا معايير
تشير الغارديان إلى أن القوى الفاعلة في الشرق الأوسط لا تُبدي حماسة لعودة أوروبا، بعد أن خسرت مصداقيتها الأخلاقية، خصوصاً بسبب فشلها في استخدام نفوذها لوقف الحرب الإسرائيلية المدمرة على غزة. وتستشهد الصحيفة بتصريح المستشار الألماني فريدريتش ميرز، الذي قال إن إسرائيل تقوم بـ«العمل القذر» نيابة عن أوروبا عبر هجومها على إيران، معتبرة أن هذا التصريح أسقط ما تبقى من الأقنعة.
وبحسب الغارديان، لم تعد أوروبا تُتهم بازدواجية المعايير فحسب، بل بات يُنظر إليها ككيان بلا معايير أساساً، مع استثناءات محدودة مثل إسبانيا والنرويج وأيرلندا، وأحياناً فرنسا. وبهذا، وجدت أوروبا نفسها خارج الخريطة السياسية للمنطقة، بعد أن خسرت نفوذها ومبادئها معاً.
وتؤكد الصحيفة أن أي أمل بوقف دائم لإطلاق النار في غزة، أو بتحقيق تقدم حقيقي نحو إقامة دولة فلسطينية، لم يعد معقوداً على أوروبا، في ظل اختباء القادة الأوروبيين خلف خطط السلام التي يطرحها ترمب، وامتناعهم عن ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل.
الخليج وتركيا في الصدارة
في هذا الفراغ، تبرز أدوار قطر وتركيا والسعودية ومصر بوصفها الأطراف الأكثر تأثيراً في إدارة الأزمات الإقليمية. وترى الغارديان أن أي استئناف محتمل للمسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران لن تقوده أوروبا، بعدما أضعفت فرنسا وألمانيا وواشنطن نفسها موقفها بالدعوة إلى إعادة فرض العقوبات الأممية، ما أدى عملياً إلى تقويض الاتفاق النووي الذي ساهمت هذه الدول في صياغته.
وتضيف الصحيفة أن أي تقدم مستقبلي سيعتمد على التقارب بين دول الخليج وإيران، مع احتمال اضطلاع السعودية بدور الوسيط بين واشنطن وطهران. وفي هذا السياق، ينحصر الدور الأوروبي الممكن في دعم الجهود الخليجية للتأثير على ترمب، سواء في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو بالملف الإيراني، خصوصاً في غزة، حيث يبقى وقف إطلاق النار هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة.
بلاد الشام: المساحة الأخيرة المتاحة لأوروبا
على الرغم من هذا التراجع، ترى الغارديان أن الشرق الأوسط سيبقى جاراً مباشراً لأوروبا، وأن الافتراض بإمكانية بقاء الأوروبيين بعيدين عنه إلى أجل غير مسمى هو افتراض ساذج. ومع تضاؤل خيارات الحركة، يصبح التركيز الأوروبي محصوراً تقريباً في بلاد الشام، ولا سيما سوريا ولبنان والعراق، نظراً للهشاشة العميقة التي تعانيها هذه الدول.
فلبنان يخوض مساراً إصلاحياً معقداً في ظل تهديد دائم بحرب محتملة، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لعدد من النقاط العسكرية. أما العراق، فقد نجح نسبياً في تجنيب نفسه تداعيات الاضطرابات الإقليمية الأخيرة، محاولاً تحقيق توازن دقيق يضمن له قدراً أكبر من الاستقلالية دون الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران. في المقابل، ما تزال سوريا الأضعف، وهي تحاول الموازنة بين متطلبات العدالة والحفاظ على تماسك المجتمع، في وقت تواجه فيه سياسات إسرائيل التوسعية والعدوانية.
وتشير الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة لا تتعامل بشكل مباشر مع لبنان والعراق، بينما أبدت اهتماماً محدوداً بسوريا، بلغ ذروته مع زيارة أحمد الشرع إلى واشنطن. وفي ظل هذا المشهد، يظهر فراغ يمكن لأوروبا أن تملأه، لا عبر النفوذ العسكري أو الأمني، بل من خلال دعم بناء أنظمة حكم مستقرة، وهي مساحة ما تزال تحظى بطلب فعلي في بلاد الشام، رغم الفوضى التي تضرب النظام الليبرالي الدولي.