أوجلان ورسالة لتغيير مسار شمال وشرق سوريا

2025.11.30 - 11:03
Facebook Share
طباعة

 في وقت تتزايد فيه النقاشات حول مستقبل قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، عادت رسالة نُسبت إلى زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل عبد الله أوجلان لتثير التساؤلات حول طبيعة العلاقة بين "قسد" ودمشق، وإمكانية تحقيق اندماج سياسي طويل الأمد. وتركز الرسالة على ضرورة انخراط "قسد" في مؤسسات الدولة السورية مع الحفاظ على استقلاليتها.

تأتي الرسالة في لحظة تتكثف فيها النقاشات حول دمج "قسد" داخل الدولة، وسط تباين القراءات بين من يرى فيها خطوة تكتيكية مرتبطة بالضغوط الإقليمية والدولية، وبين من يراها مسارًا سياسيًا قد ينهي استقلالية الإدارة الذاتية التي تدير مناطق شمال وشرق سوريا منذ 2014.


زيارة برلمانية إلى جزيرة إمرالي
تزامنت الرسالة مع زيارة وفد برلماني تركي إلى سجن أوجلان في جزيرة إمرالي، في أول لقاء رسمي منذ اعتقاله عام 1999. جاء اللقاء بعد تصويت داخل اللجنة البرلمانية على فتح قنوات حوار مباشرة مع أوجلان، بهدف دراسة سبل حل حزب العمال الكردستاني وإنهاء الكفاح المسلح، والبحث في تطبيق اتفاقية سابقة بين "قسد" والحكومة السورية، بما يحقق تسوية شاملة في شمال سوريا.

الوفد برلماني أكد أن اللقاء كان إيجابيًا، وفتح آفاقًا أوسع للحوار مع التركيز على تفكيك الإرث المسلح للصراع الكردي التركي وتهيئة الظروف لمصالحة سياسية محتملة.


تحول داخل حزب العمال الكردستاني
يشير بعض المحللين إلى أن دعوة أوجلان تعكس تحولًا داخليًا داخل حزب العمال الكردستاني، حيث بدا الحزب واعيًا بأن استمرار النزاع المسلح لم يعد يحفظ التوازن الإقليمي والدولي. وتفسر الرسالة، وفق هذا الرأي، بوصفها خطوة لإعادة توجيه الصراع نحو مسار سياسي بدل التصعيد العسكري، مع مراعاة الضغوط التركية والأمريكية في المنطقة.

تؤكد التحليلات أن تركيا ترى في أي خطوة نحو دمج "قسد" في الجيش السوري أمرًا إيجابيًا، لكنها تطرح تساؤلات حول كيفية تنفيذ ذلك في ظل وجود عناصر متطرفة ضمن هذه القوات، مع التأكيد على أن الشرط الأساسي هو إنهاء وجود السلاح المستقل ودمج القوات بالكامل ضمن المؤسسة العسكرية السورية.


الإدارة الذاتية وموقفها
توضح الإدارة الذاتية أن رسالة أوجلان لا تعني حلّ "قسد" أو القضاء على مؤسساتها، بل تركز على مفهوم "الاندماج الديمقراطي" مع الحكومة المركزية في دمشق. وتؤكد الإدارة أن دمج مؤسساتها ضمن الدولة يهدف إلى تعزيز التكامل مع الحكومة دون التخلي عن استقلاليتها، مع الالتزام بمبادئ اللامركزية والفدرالية ضمن إطار تفاوضي شفاف.

كما تشير الإدارة إلى أن أي مبالغات في تفسير الرسالة تأتي غالبًا في سياق أهداف سياسية تركية لعرض الإدارة الذاتية كجسم بلا قرار مستقل، بينما الواقع يبرز استمرارية مؤسسات "قسد" وحقها في المشاركة ضمن الهياكل الرسمية للدولة.


المشروع الإقليمي والضغوط الدولية
وفق التحليلات، تأتي رسالة أوجلان ضمن مشروع سياسي أوسع تقوده تركيا، يهدف إلى إعادة هندسة التوازنات السياسية في شمال وشرق سوريا. ويعد الضغط الأمريكي عاملاً مؤثرًا في دفع "قسد" نحو الانخراط في مؤسسات الدولة، في ظل رغبة تركيا في إنهاء أزمات إقليمية وتحقيق استقرار طويل الأمد.

كما تبرز أهمية العشائر العربية في المنطقة، حيث تظل قادرة على التأثير في صياغة أي تسوية، لكنها لا تملك وحدها القدرة على تحقيق اختراقات كبيرة. ويشير المحللون إلى أن مستقبل العلاقة بين دمشق و"قسد" يعتمد على ثلاثة عوامل أساسية: الضغوط الأمريكية، المشروع السياسي التركي، والقدرة على التوازن بين القوى المحلية.


التباين الداخلي التركي
كشف اللقاء البرلماني بأوجلان عن انقسام سياسي داخل المشهد التركي. فبينما أيدت الأحزاب ذات القاعدة الكردية خطوة الحوار، رفضت أحزاب قومية ومعارضة الانخراط فيها، ما يعكس تباينات في النظر إلى سبل إنهاء الصراع الكردي.

وفي المقابل، تبنى حزب الحركة القومية موقفًا داعمًا للمبادرة، مع استعداد بعض قياداته للمشاركة الشخصية في الحوار، في حين بارك الرئيس التركي اللقاء، معتبرًا أنه يمهّد لتسوية عملية ويعزز جهود التخلص من الإرهاب، بما يمهد الطريق لمفاوضات سياسية مستقبلية.


التوقيت والأفق المستقبلي
يرى المحللون أن التوقيت يعكس استغلالًا لانخفاض وتيرة التهديدات الأمنية بعد وقف إطلاق النار، مما يمنح تركيا مجالًا للمناورة السياسية دون خسارة دعمها الداخلي. وتشير التوقعات إلى أن الرسالة قد تمثل انطلاقة لمسار جديد نحو تسوية سياسية مستدامة، تعتمد على إرادة سياسية حقيقية وقدرة الدولة على تجاوز الحسابات المؤقتة لتحقيق توافق شامل في شمال وشرق سوريا.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 2