أثارت الخطة الأميركية الجديدة لإنهاء الحرب في أوكرانيا موجة واسعة من الانتقادات، خصوصا من الدول الأوروبية وبعض أعضاء الكونغرس الأميركي. ورأى منتقدوها أنها تكاد تكون نسخة مطابقة للرؤية الروسية، وكأن الإدارة الأميركية تبنت مقترحات موسكو حرفيًا. لكن ما لم يكن واضحًا للكثيرين هو الشخصية التي لعبت دورًا محوريًا في إيصال هذه الرؤية إلى واشنطن: الرجل الذي يصفه البعض اليوم بأنه "المهندس الحقيقي" للخطة، و"الوسيط الروسي الذي يهمس في أذن ترامب".
مهندس الخطة وراء الكواليس
مع تسريب وثيقة الخطة الأميركية نهاية الأسبوع الماضي، برز اسم كيريل دميترييف فجأة في الواجهة. تقارير إعلامية عديدة أشارت إلى أنه لعب دورًا أساسيًا في صياغة جوهر المقترحات، بل إن بعضها ذهب إلى القول إنه هو نفسه من سرّب الوثيقة إلى الإعلام لإبراز الطابع الروسي الذي قامت عليه الخطة.
وتحدثت تقارير سياسية وصحفية عن قلق في الأوساط الأميركية من أن اجتماعات عقدتها إدارة ترامب مع دميترييف—المدرج على القائمة السوداء الأميركية—قد تكون لعبت دورًا في بلورة هذه الخطة. فالرجل مقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويشغل منصب الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار السيادي الروسي، إضافة إلى كونه المبعوث الخاص للاستثمار الأجنبي والتعاون الاقتصادي.
وقد ساعدته خلفيته الأكاديمية والمهنية—من التعليم في ستانفورد وهارفارد إلى العمل في ماكينزي وغولدمان ساكس—على أن يصبح شخصية قادرة على التحرك بثقة بين دوائر النفوذ الغربية. كما أن ارتباطه العائلي منحه موقعًا متقدمًا داخل الحلقة الضيقة المحيطة ببوتين.
جسور مبكرة مع إدارة ترامب
منذ عام 2017 بدأ دميترييف ببناء علاقات مع فريق ترامب الناشئ، وعلى رأسهم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف. وتشير تقارير إلى أن الخطة الحالية نضجت خلال اجتماعات مغلقة في ميامي امتدت ثلاثة أيام بين دميترييف وكبار المقربين من ترامب، حيث استطاع تحديد "الحدود القصوى" لما يمكن أن تقبل به موسكو، وتحويلها لاحقًا إلى أساس الخطة الأميركية.
وتضمنت الخطة بنودًا تتوافق بشكل شبه كامل مع المطالب الروسية: منع انضمام أوكرانيا للناتو، تنازلات عن دونباس، وتقليص جذري للقدرات العسكرية الأوكرانية.
وبحسب مقالات غربية، اتضح أن دميترييف—الذي كان يُنظر إليه سابقًا كشخصية تكنوقراطية مالية لا خبرة دبلوماسية لها—كان في الواقع الملهم الأساسي لرؤية "السلام" الجديدة التي كشفت عنها واشنطن.
وقد ظهر دميترييف في الأشهر الأخيرة بشكل ملحوظ على وسائل التواصل الاجتماعي، منشوراته تتضمن اقتباسات من الإعلام الأميركي تتقاطع مع رواية الكرملين، إضافة إلى رسائل تشيد بمواقف الإدارة الأميركية ومبادراتها.
الوسيط الروسي الذي فُتحت له أبواب واشنطن
رغم وضعه على القائمة السوداء منذ 2022 وخضوعه لعقوبات تمنع أي تعامل أميركي معه، مُنح دميترييف استثناءً خاصًا سمح له بدخول الولايات المتحدة لإجراء مفاوضات حول ملف أوكرانيا. هذا القرار أثار قلق أجهزة الاستخبارات الأميركية، خصوصًا أن دميترييف سبق أن استخدم منصبه في صندوق الاستثمار الروسي لإقامة علاقات حسّاسة مع شركات وحكومات غربية.
وكان تقرير تحقيق مولر عام 2019 قد أشار إلى أنه عقد اجتماعًا عام 2017 مع إريك برينس، المقرب من ترامب، تم خلاله بحث مستقبل العلاقات الأميركية الروسية.
كما ظهر دميترييف على وسائل إعلام أميركية ومنتديات عالمية مثل منتدى دافوس الاقتصادي للدفاع عن التعاون الاقتصادي بين واشنطن وموسكو.
وعود صفقات ضخمة تجذب إدارة ترامب
وتشير تقارير صحفية إلى أن دميترييف استغل ميل إدارة ترامب للصفقات التجارية من خلال تقديم عروض استثمارية ضخمة:
– شراكات في تطوير المعادن النادرة
– مشاريع طاقة مشتركة في القطب الشمالي
– مقترح تعاون نووي صغير لاكتشاف المريخ مع إيلون ماسك
– مشروع نفق "بوتين–ترامب" تحت مضيق بيرينغ بقيمة 8 مليارات دولار
ورغم أن بعض هذه المشاريع اعتُبر غير واقعي أو "خيالياً"، فإنها جذبت انتباه واشنطن، خصوصًا في لحظات توتر سياسي مع موسكو. وساهمت هذه الوعود في تخفيف حدة بعض الخلافات، ما سمح باستمرار قنوات التواصل.
كما لعب دميترييف دورًا في صفقة إطلاق سراح معلم أميركي من سجن روسي، وهو دور لاقى إشادة من شخصيات مقربة من البيت الأبيض.
مفارقة كبرى: رجل روسي من قلب كييف
المفارقة أن دميترييف، الذي يسعى اليوم خلف مطالب تقود إلى تقسيم أوكرانيا وإضعافها، هو في الحقيقة أحد أبناء كييف. ولد وترعرع هناك، درس في مدارسها، وعمل لاحقًا في شركاتها. بل تشير تقارير إلى أنه شارك في احتجاجات ديمقراطية في كييف عندما كان مراهقًا.
وقد كان من الطلاب السوفيات الأوائل الذين سافروا إلى الولايات المتحدة في برامج التبادل، قبل أن يتابع دراسته في ستانفورد وهارفارد.
ويصفه زملاؤه السابقون بأنه كان تلميذًا طموحًا، مغرورًا أحيانًا لكن منهجيًا للغاية ويمتلك تصميمًا استثنائيًا على تحقيق أهدافه.
من كييف إلى موسكو: الصعود المالي والسياسي
بعد سنوات قضاها في شركات عالمية، عاد دميترييف إلى موسكو عام 2000، ثم انتقل إلى كييف ليدير صندوقًا استثماريًا ضخمًا بين 2007 و2011. بعدها نجح بإقناع الكرملين بإنشاء صندوق الاستثمار الروسي لجذب رؤوس الأموال العالمية إلى روسيا.
ورغم أن أوكرانيا قد منحته التعليم والبدايات المهنية، فإن كييف تعتبره اليوم أحد "أعدائها"، وقد فرضت عليه عقوبات مشددة.
تراجع دور لافروف وصعود نجم دميترييف
في الوقت الذي بدأ فيه دميترييف يلعب دورًا مركزيًا في ملف أوكرانيا داخل واشنطن، خفت حضور وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. وتشير تقارير إلى أن نفوذ لافروف داخل الدائرة المقربة من بوتين قد تراجع لصالح قوى جديدة من بينها دميترييف، وخاصة بعد تعثر التحضيرات الروسية لقمة بودابست التي كان يُفترض أن تجمع الرئيسين بوتين وترامب.