زيارة البابا للبنان: رسائل روحية وسياسية

2025.11.30 - 09:50
Facebook Share
طباعة

 على وقع الترقب الكبير، تحوّلت الشوارع اللبنانية إلى مساحة احتفالية؛ أعلام الفاتيكان ترفرف بجانب العلم اللبناني، وصور البابا روبرت بريفوست (ليو الـ14) ترتفع فوق المباني مزيّنة بكلمة "السلام"، في مشهد يعبّر عن توق اللبنانيين إلى الاستقرار amid أزمات خانقة.

فالزيارة لا تأتي في توقيت عادي، بل في لحظة مشحونة بالتوتر الناتج عن الغارات الإسرائيلية شبه اليومية على جنوب لبنان، والقلق من احتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة بعد عام على حرب تركت أثراً عميقاً في الأمن والاقتصاد والمجتمع.

ومن مطار رفيق الحريري الدولي، يبدأ البابا ليو الـ14 عصر الأحد زيارته التي تستمر حتى 2 ديسمبر/كانون الأول، وتتضمن لقاءات رسمية وروحية وإنسانية. وتشمل استقبالًا رسميًا في القصر الجمهوري، وقداسًا ضخمًا في وسط بيروت يُتوقع أن يشارك فيه أكثر من 120 ألف شخص، إضافة إلى وقفة صامتة في مرفأ بيروت للصلاة على ضحايا انفجار 4 أغسطس/آب 2020.


استعدادات لوجستية وأمنية ضخمة
الزيارة تشمل أيضًا لقاءات مع المرجعيات الدينية من مختلف الطوائف، في رسالة تدعو للحوار والوحدة، وإحياء دور لبنان كمساحة للتلاقي بين الأديان.

وكشفت اللجنة المنظمة عن تفاصيل دقيقة للاستعدادات، فأعلنت أن 21 طلقة مدفعية ستُطلق لدى وصول البابا، وأن ما يزيد على 1350 صحفيًا من داخل لبنان وخارجه سيغطّون الحدث. كما دعت الجمهور الراغب بحضور القداس إلى الوصول منذ ساعات الصباح الأولى لضمان انسيابية التنظيم.

وتأتي الزيارة بينما يواجه لبنان أزمة اقتصادية وسياسية وأمنية تُعد من الأصعب في تاريخه الحديث، ما يجعلها محط آمال لجرعة دعم معنوي يحتاجها البلد بشدة.


زيارة تحمل دلالات حول وضع الدولة اللبنانية
يرى مراقبون أن زيارة البابا، خصوصًا في بلد يعاني اضطرابات حادة، تعكس أن لبنان لا يزال يُنظر إليه كدولة قادرة على الصمود، وليست منهارة تمامًا كما يروّج البعض. فالزيارة تأتي في سياق استعادة المؤسسات الدستورية نشاطها بعد تشكيل رئاسة الجمهورية والحكومة ومجلس الوزراء، ما أعطى إشارة إيجابية للفاتيكان والعالم بأن الدولة ليست في الفراغ الكامل.

ويُنظر إلى الزيارة باعتبارها دعمًا معنويًا للنظام السياسي، ورسالة إلى القوى الداخلية والخارجية بأن لبنان ليس ساحة مفتوحة للتجاذبات أو الاعتداءات، ولا يجب الدفع به نحو مسارات أكبر من قدرته على الاحتمال.


طابع استطلاعي وروحي أكثر منه ضغط سياسي مباشر
تشير قراءات سياسية إلى أن زيارة البابا للشرق الأوسط – والتي يبرز فيها لبنان كمحطة رئيسية – تحمل طابعًا استطلاعيًا أكثر من كونها زيارة تنفيذية ذات قرارات مباشرة.
فالواقع اللبناني معقّد، والفاتيكان في هذه المرحلة ليس في موقع يمكّنه من اتخاذ خطوات سياسية حاسمة تجاه الملف اللبناني.

لكن البابا، خلال زيارته، سيستمع إلى مختلف الأطراف، ويطّلع على الأوضاع العامة، ويتعرّف على تفاعل مختلف المكوّنات الدينية والسياسية معه. ويُتوقع أن يبدأ أي دور فعلي بعد عودته إلى الفاتيكان، حيث تتم دراسة الملفات بعمق وتحديد إمكانات التدخّل أو المبادرة.

ويُشار إلى أن الفاتيكان يمتلك شبكة واسعة من السفارات حول العالم، تزوّده بمعلومات دقيقة عن الملفات الدولية، ومن بينها الملف اللبناني.
ومع ذلك، يتساءل المتابعون:
هل يستطيع الفاتيكان التأثير في مواقف القوى الدولية الكبرى؟
وهل يمكنه المساهمة في التهدئة أو وقف الحروب في المنطقة؟

وتؤكد التحليلات أن أي دور من هذا النوع يحتاج تعاونًا مع قوى كبرى مثل الولايات المتحدة ودول أوروبية مؤثرة، ولا يمكن للفاتيكان أن يضطلع به منفردًا، خصوصًا في ظل عالم مثقل بالأزمات.


لبنان الرسالة.. رمزية اللقاء والتعايش
يركّز عدد من المتابعين للشأن اللبناني على البعد الروحي للزيارة، معتبرين أنها تعيد التذكير بلبنان بوصفه بلدًا فريدًا يقوم على التنوع والتعايش بين 18 طائفة. هذا النموذج الذي لطالما وصفه باباوات الفاتيكان بأنه "رسالة" للعالم، يتعرض اليوم لاختبارات قاسية بفعل أزمات سياسية وأمنية متراكمة.

وتأتي الزيارة لتثبيت فكرة أن لبنان ليس مجرد مساحة جغرافية، بل بوابة ثقافية وروحية للمنطقة، ومنصة للعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين ضمن وحدة وطنية ينبغي أن تُبنى على التطوير والنهضة، لا على تغذية النزاعات الداخلية.

ويشير مراقبون إلى أن توقيت الزيارة في ظل تهديدات إسرائيلية متجددة وقلق داخلي متصاعد يحمل دلالات مهمة، وأن كثيرين من اللبنانيين تمنّوا لو امتدت الزيارة لفترة أطول، لعل حضور البابا يساهم في تخفيف وطأة التوتر ومنع انزلاق البلاد نحو حرب جديدة.


حدث يوحد اللبنانيين ويعكس تحسن العلاقات بين الطوائف
من اللافت أن الزيارة شكّلت نقطة التقاء نادرة بين اللبنانيين من مختلف الطوائف والأحزاب، حيث توحّدوا على تنظيم استقبال يليق بالبابا.
ويقول مراقبون إن العلاقات الإسلامية–المسيحية تمر اليوم بإحدى أفضل مراحلها منذ عام 2005، مع تقارب واضح في أولويات بناء الدولة والمجتمع.

وترى التحليلات أن الزيارة قد تساهم في تعزيز الثقة بين مختلف المكوّنات اللبنانية، وتخفيف التوتر، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة في الداخل اللبناني تعتمد على الحوار والوحدة والمساواة بين جميع المواطنين.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 6