رسائل تعكس حدود التنسيق بين دمشق وواشنطن

2025.11.29 - 11:19
Facebook Share
طباعة

 أعادت قوات وزارة الداخلية السورية، السبت 29 من تشرين الثاني، رتلًا تابعًا للتحالف الدولي بعد محاولته دخول منطقة خاضعة لسيطرة الحكومة في مدينة دير الزور من دون استكمال إجراءات التنسيق المطلوبة.

وبحسب مصدر في دير الزور، تحرّك الرتل باتجاه المدينة قبل أن يصدر الرد الرسمي من دمشق على الإخطار الذي وجّهه التحالف إلى وزارة الخارجية السورية بشأن الزيارة. وفور وصوله إلى جسر دير الزور، أوقفت الأجهزة الأمنية الرتل وأعادته إلى مناطق نفوذ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) شرق الفرات، وسط غياب أي تعليق رسمي من الطرفين .


خطوة ميدانية تعكس حساسية المرحلة
تأتي إعادة الرتل في توقيت تشهد فيه العلاقة بين دمشق والتحالف الدولي تحوّلًا لافتًا، بعد إعلان سوريا رسميًا انضمامها إلى “التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية”. الإعلان تزامن مع زيارة رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع إلى البيت الأبيض، في أول زيارة لرئيس سوري إلى واشنطن، ولقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومسؤولين أمريكيين وسوريين.

وأعلن وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، توقيع إعلان تعاون سياسي مع التحالف، مؤكدًا أن الاتفاق سياسي بحت ولا يتضمن أي شقّ عسكري، فيما أكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، توقيع اتفاقية الانضمام.

مع ذلك، يظهر أن التحرك الميداني لا يزال محكومًا بسقف سيادي واضح تفرضه دمشق، إذ يفرض دخول أي رتل أجنبي إلى مناطق الحكومة تنسيقًا كاملًا ومسبقًا، وهو ما اعتبرت وزارة الداخلية أنه لم يتحقق في حادثة دير الزور.


فوائد سياسية وعسكرية… ورغبة في إعادة رسم النفوذ
تقرير صادر عن معهد “الشرق الأوسط” للدراسات الاستراتيجية في واشنطن في 27 من تشرين الأول الماضي، أشار إلى أن الحكومة السورية ترى في الانضمام إلى التحالف الدولي فرصة لتحقيق مكاسب متعددة:
سياسية: استعادة شرعية دولية كشريك في الحرب على الإرهاب، ورفع اسمها من قوائم مرتبطة بالارهاب.
عسكرية: الحصول على دعم تقني وعملياتي يتيح لها أداء دور أوسع في العمليات المشتركة.
استراتيجية: تقويض الحصرية التي تمتعت بها “قسد” كشريك أساسي للتحالف داخل سوريا، ما يضعف نفوذها في أي مفاوضات مستقبلية مع دمشق.
استخباراتية: الوصول إلى أنظمة تبادل المعلومات الخاصة بالتحالف، لا سيما للتحقق من خلفيات المجندين الجدد داخل وزارتي الدفاع والداخلية.

وبحسب التقرير ذاته، فإن رفع العقوبات عن سوريا طُرح في واشنطن كاحتمال مرتبط بانضمام دمشق إلى التحالف، بينما تشترط الحكومة السورية تخفيف العقوبات كجزء من هذا المسار.


عقبات بنيوية تعرقل التعاون الميداني
على الرغم من المكاسب السياسية المفترضة، تكشف حادثة دير الزور أن التعاون العملياتي بين دمشق والتحالف لا يزال هشًا. التقرير يشير إلى مجموعة من العقبات التي تعرقل أي تنسيق عسكري فعلي، من أبرزها:
ضعف البنية المؤسسية لوزارة الدفاع السورية التي لا تزال في مرحلة إعادة تشكّل.
قصور منظومة التجنيد والتحري الأمني عن إجراء فحص كامل لخلفيات المنضمين الجدد.
محدودية القدرات العسكرية ما يجعل التحالف متحفّظًا في منح ثقته للوزارة.
غياب اتفاق واضح مع “قسد” رغم التداخل الجغرافي والتوترات المستمرة، ما يصعّب أي عمليات مشتركة أو متوازية.
لذلك يجري التنسيق الحالي بين التحالف ووزارة الداخلية بدلًا من وزارة الدفاع، ما يعكس واقعًا مؤسسيًا لم يُحَلّ بعد.


بين الانضمام السياسي والتنسيق الميداني
تظهر حادثة إعادة الرتل في دير الزور أن التحول السياسي في علاقة دمشق مع التحالف لا يوازيه حتى الآن تحول ميداني كامل. فالانضمام السياسي قائم، لكن دخول أي قوة أو رتل أجنبي إلى مناطق الحكومة يظل خاضعًا لإجراءات صارمة، وهو ما يؤكد استمرار دمشق في تثبيت سيادتها الميدانية، حتى وهي تدخل مرحلة تعاون سياسي غير مسبوقة مع التحالف الدولي.

وفي الوقت نفسه، تكشف الواقعة حجم التعقيدات التي لا تزال تواجه العلاقة الثلاثية بين دمشق والتحالف و”قسد”، إضافة إلى بطء آليات التنسيق المؤسسي داخل سوريا نفسها.

ورغم أن الرتل عاد أدراجه دون احتكاك، إلا أن الحادثة تحمل رسائل واضحة: التعاون السياسي ممكن، لكن الميدان لا يزال يحتاج إلى هندسة دقيقة قبل أن يتحول هذا الانضمام إلى شراكة عملية كاملة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 9