شهدت بلدة بيت جن في ريف دمشق توغّلاً إسرائيلياً بعربات هامر انتهى باعتقال ثلاثة أشخاص واندلاع اشتباكات مباشرة مع الأهالي، ما أدى إلى إصابة عدد من عناصر القوة المهاجمة. وبينما اعترف الجيش الإسرائيلي بإصابة 6 جنود، تحدّثت وسائل إعلام عبرية عن 13 جريحاً بينهم ضابطان، وجندي إصابته حرجة. أعقب ذلك قصف جوي ومدفعي أدى إلى استشهاد 13 مدنياً، بينهم نساء وأطفال، وجرح أكثر من 25 آخرين، إضافة إلى حالة نزوح واسعة.
ورغم أن تفاصيل الحدث باتت معروفة، إلا أنّ الأسئلة الأكثر أهمية ترتبط بـ سياقه السياسي والعسكري، ومدى قدرة سوريا—دولة وشعباً—على ردع العدوان الإسرائيلي في مرحلة شديدة التعقيد إقليمياً ودولياً.
العدوان كامتداد لمناورات وتحوّلات إسرائيلية
الهجوم على بيت جن لا يبدو عملية منفردة بقدر ما يشكّل حلقة ضمن سلسلة تحركات عسكرية إسرائيلية بدأت قبل أيام مع مناورات الفرقة 210 باتجاه الأراضي السورية، وبالتوازي مع تحركات الفرقة 91 على حدود لبنان. كما يتقاطع مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى مناطق التوغّل داخل سوريا، حيث أطلق تهديدات مباشرة ضد الرئيس السوري أحمد الشرع.
هذا الترابط بين المناورة والحدث الميداني يشير إلى أن ما جرى في بيت جن لم يكن مجرد عملية "اعتقال مطلوبين"، بل جزء من استراتيجية عسكرية جديدة تعتمد على:
تكريس التوغّل كأمر واقع على الحدود السورية.
اختبار ردود الفعل السورية الرسمية والشعبية.
إرسال رسائل قوة إلى أطراف إقليمية ودولية، خصوصاً بعد تقارب دمشق ـ واشنطن.
???? الدعاية الإسرائيلية بين التبرير العسكري والانكشاف الأخلاقي
قدّمت إسرائيل روايتها بالحديث عن مطاردتها “مطلوبين من الجماعة الإسلامية”، مستندة إلى الملف الذي بحثت إدارة ترامب سابقاً تصنيفه كتنظيم إرهابي. لكن العرض الذي قدّمه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي تحت عنوان "تصفية الإرهابيين من مسافة صفر" يتناقض تماماً مع الواقع الميداني الذي وثّقته المشاهد:
قصف جوي واسع على منازل مدنيين، وليس اشتباكاً قريب المدى كما زعمت الدعاية الإسرائيلية.
هذا التناقض يعكس أحد أمرين:
إما محاولة تغطية على فشل العملية بعد مباغتتها من الأهالي، أو توظيف الحدث كرسالة ردع مضاعفة، حتى لو كان ذلك عبر مجزرة مدنية.
???? المقاومة التي لم تتوقعها إسرائيل: خطأ تقدير أم غرور قوة؟
مفاجأة الحدث الحقيقي كانت ردّة فعل الأهالي. التوغّلات الإسرائيلية المتكررة جعلت الجيش الإسرائيلي ينظر إلى هذه العمليات كـ "روتين أمني"، يفترض ألّا يواجه مقاومة. لكن محاصرة الأهالي لإحدى العربات والاشتباك معها أدى إلى خلخلة هذا الافتراض.
وهنا تظهر نقطتان أساسيتان:
1. العامل الإنساني
إسرائيل ـ رغم قدراتها العسكرية ـ أخطأت تقدير عتبة تحمّل الناس. الأهالي الذين يعيشون تحت ضغط يومي، لن يتقبلوا اعتقالات تعسفية وانتهاكاً لكرامتهم وأمنهم، حتى لو كان الثمن مواجهة مع قوة عسكرية متفوقة.
2. سقوط فرضية "التطبيع مع الإذلال"
تصرّف السكان أظهر أن المجتمع المحلي لم يستسلم لواقع التوغّلات، وأن الردع الشعبي قد يكون مفاجئاً، حتى في غياب ردع عسكري تقليدي من الدولة.
???? البعد السياسي: بين قوة إسرائيل الفائضة وخوفها العميق من تغيّر المزاج الأمريكي
المجزرة تأتي في توقيت يعبّر عن توتر إسرائيلي متزايد بعد التقارب الأمريكي ـ السوري الذي تجسّد في زيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن ولقائه دونالد ترامب. وهذا التوتر يعكس تناقضاً جوهرياً في العقل الأمني الإسرائيلي:
شعور دائم بالقوة الفائضة
إسرائيل تعتقد أن ميزان القوى يمكّنها من فرض إرادتها على كل الأطراف الأضعف منها في المنطقة.
الخوف الدفين من التحولات الدولية
خوف من الولايات المتحدة، ومن شخص ترامب الذي يُعرف بقراراته غير المتوقعة، ومن إمكانية أن تُفرض على إسرائيل استراتيجيات لا تنسجم مع رغبتها، خاصة في ظل مصالح واشنطن مع الخليج وتركيا والقوى الدولية.
هذا التناقض هو ما يجعل إسرائيل أكثر ميلاً إلى استعراض القوة كلما شعرت بأن Washington قد تغيّر قواعد اللعبة.
???? «ردع العدوان» بين الأمس واليوم: من إسقاط النظام إلى بناء الدولة
التصدي الذي أبداه السوريون في بيت جن، رغم نتائجه الدامية، يشير إلى تحوّل مهم:
هناك فئة واسعة من السوريين تدرك أن مرحلة "ردع العدوان" التي سمحت بإسقاط النظام السابق، لا تتناقض مع مرحلة بناء الدولة الجديدة وأولوياتها في التنمية والعدالة وإعادة الإعمار.
بل إن هذا الردع، ولو بشكل أهليّ، يعكس روحاً جديدة ترى أنّ الخطر الإسرائيلي مشترك، وأنّ الارتقاء بالواقع الداخلي لا ينفصل عن حماية الأرض في مواجهة التوغّلات.
???? التحليل النهائي: هل يمكن لسوريا ردع إسرائيل؟
الجواب مركّب، وليس بنعم أو لا.
ما تملكه سوريا اليوم:
إرادة شعبية أثبتت استعدادها للمقاومة عند لحظات التهديد.
مشروعية دولية أكبر بعد تغيّر نظام الحكم وتحوّل المشهد السياسي.
علاقة جديدة مع واشنطن قد توفّر مظلة سياسية أو تفاهمات تحدّ من حرية إسرائيل في التصعيد.
ما ينقص سوريا حالياً:
بنية عسكرية متماسكة بعد سنوات الحرب.
قدرة سيادية على ضبط حدودها المعقدة.
منظومة ردع نظامية قادرة على مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي.
الخلاصة
قد لا تتمكن سوريا اليوم من ردع إسرائيل عسكرياً وفق المعادلة التقليدية، لكنها بدأت تملك مقومات ردع سياسي وشعبي، يتزامن مع تغيّر البيئة الدولية، ومع أخطاء إسرائيلية متزايدة في تقدير ردود الفعل.
وبين ردع الأمس وردع اليوم… المعادلة تتغير.