يسود صمت غير مألوف في المستويين السياسي والعسكري داخل إسرائيل منذ وقوع الهجوم المعقّد في بلدة بيت جن السورية، وهو الهجوم الذي انتهى بإصابة ستة من جنود وضباط الجيش الإسرائيلي، ثلاثة منهم بحالة خطرة، في واحدة من أكثر العمليات حساسية على الحدود الشمالية منذ أشهر ورغم خطورة الحدث وتداعياته المباشرة، امتنعت الحكومة الإسرائيلية وقيادة الجيش عن التعليق العلني، ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة داخل الإعلام العبري حول أسباب هذا الصمت.
جرت العملية داخل منطقة تُعد حساسة لإسرائيل من الناحية الأمنية، على مسافة لا تتجاوز 11 كيلومتراً من الحدود، واستهدفت مجموعة تصفها إسرائيل بأنها تشكّل تهديداً مباشراً لأمنها إلا أن الاشتباك الذي دار عن مسافة قريبة، والعدد الكبير من الشهداء في الجانب السوري، كشف أن العملية خرجت عن السيناريو المتوقع ووضعت القيادة الإسرائيلية في موقف بالغ التعقيد.
السبب الأول وراء صمت نتنياهو، وفق تقديرات صحفية عبرية، يتمثل في حساباته الدقيقة مع واشنطن فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يعمل على دفع ترتيبات أمنية جديدة بين إسرائيل وسوريا كجزء من تحركاته الإقليمية، وأي تصعيد إسرائيلي في هذه الفترة يمكن أن يُفسَّر كعرقلة مباشرة للجهود الأميركية، وهو ما لا يرغب نتنياهو في تحمّل تبعاته في هذه المرحلة.
أما السبب الثاني فيتعلق بالحساسية المتزايدة في العلاقة مع تركيا وجود حكومة أردوغان الفاعلة بقوة في الملف السوري يجعل أي مواجهة مباشرة مع القيادة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع مساراً محفوفاً بالمخاطر، قد يفتح الباب أمام تدخل تركي أشمل أو إعادة رسم خطوط التماس شمالاً، وهو ما تسعى إسرائيل إلى تجنّبه.
ويشير تحليل الإعلام العبري إلى عامل ثالث يتعلق بالعملية نفسها، إذ بدا أنها تطورت بشكل غير محسوب، وأن حجم الخسائر المسجّل في صفوف الجيش أثار علامات استفهام حول جاهزية الوحدات المنفذة وقدرتها على إدارة عمل بهذا المستوى من الدقة وقد أثار ذلك نقاشات داخل غرف العمليات حول ما إذا كانت العملية تعرّضت لاختراق أو تسريب، أو أن قوة الخصم كانت أكبر من التقدير الاستخباراتي.
رغم عدم صدور تصريحات رسمية، مرّرت تل أبيب رسائل مباشرة إلى دمشق بأن وجود مجموعات مسلّحة قرب الحدود لا يمكن السماح به، وأن أي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية مع سوريا لن تكون ممكنة ما دامت هذه المنطقة غير مستقرة كما أثار الحادث نقاشاً أوسع داخل إسرائيل بشأن مخاطر الانسحاب من المناطق ذات القيمة الاستراتيجية مثل جبل الشيخ، واحتمالات أن يؤدي ذلك إلى فراغ أمني يصعب ضبطه.
وبصورة لافتة، لم تُعقد اجتماعات طارئة للمجلس الوزاري المصغّر، وواصل وزير الدفاع يسرائيل كاتس نشاطاته الاجتماعية بشكل طبيعي، ما زاد من منسوب الغموض حول طريقة تعامل الحكومة مع أحد أخطر الحوادث على الجبهة الشمالية في الأشهر الأخيرة.