تجري زيارة بابا الفاتيكان لاوون الرابع عشر إلى لبنان في لحظة دقيقة وحساسة، تحمل أكثر من بُعد رمزي وسياسي، حزب الله رحّب بالزيارة، مؤكداً تمسكه بالعيش المشترك والديمقراطية التوافقية، وموضحاً رفضه لأي تدخل أجنبي يسعى إلى فرض وصاية على لبنان ومصادرة قراره الوطني.
في رسالته الموجّهة إلى البابا، شدّد الحزب على أنّه يعوّل على مواقفه في “رفض الظلم والعدوان على لبنان على أيدي إسرائيل وداعميها”، مجدداً موقفه الرافض لأي حصر للسلاح بيد الدولة، ومطالباً بانسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
هذا الموقف يبين الاستمرار في سياسة “الردع العسكري” التي يتبناها الحزب، خاصة في ظل التصعيد الإسرائيلي منذ أكتوبر 2024، حيث استمر الجيش الإسرائيلي في خروقات اتفاق وقف إطلاق النار، وسط تسريبات عن احتمالات شن هجوم جديد وفق إحصاءات رسمية، خلفت الحرب الشاملة التي اندلعت في سبتمبر 2024 أكثر من 4 آلاف قتيل ونحو 17 ألف جريح، ما يجعل ملف الأمن والقدرة العسكرية لحزب الله أولوية محورية بالنسبة له.
على الجانب الآخر، تأتي مواقف الكنيسة المارونية أكثر تفاوتاً، حيث دعا البطريرك بشارة بطرس الراعي إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل كخطوة ضرورية لتحقيق السلام، مؤكداً أنّ ذلك لا يعني التطبيع.
كما شدّد الراعي على أن نزع السلاح يجب أن يكون قراراً لا رجعة فيه، وأن الدولة وحدها هي القادرة على وضع خطة تنفّذ قبل نهاية عام 2025، في ضوء قرار مجلس الوزراء اللبناني بحصر السلاح بيد الجيش هذه الدعوات تكشف عن صراع داخلي بين القوى السياسية، حيث تتقاطع مصالح حزب الله مع الهواجس الأمنية للكنيسة والمجتمع المدني، ما يجعل لبنان أمام اختبار حقيقي لتثبيت التوازن بين الدولة والمكونات العسكرية.
زيارة البابا تترسخ أيضاً في ظل استمرار دور اليونيفيل، التي مدد مجلس الأمن الدولي ولاية قواتها حتى نهاية عام 2026، لتأمين الحدود الجنوبية ومراقبة الانتهاكات الإسرائيلية. ويُشير ذلك إلى أنّ لبنان لا يزال بحاجة إلى قوة دولية لضمان استقرار مؤقت، وسط مؤشرات عن خطط إسرائيلية محتملة لتصعيد جديد على الحدود.
في هذا السياق، تتجاوز زيارة البابا بعدها الروحي لتصبح رسالة سياسية ضمنية لكل الأطراف: ضرورة الحفاظ على التوازن الداخلي، دعم المسار التوافقي، والبحث عن حلول سلمية بعيداً عن دائرة التصعيد. فالزيارة توضع في قلب صراع متشابك بين سلاح حزب الله، الدولة، الكنيسة، والضغوط الدولية، ما يجعلها محطة اختبار حقيقية لقدرة لبنان على إدارة تضاداته الداخلية والمضي نحو سلام مستدام.