أزمة بنوك الدم في دمشق وريفها تعكس خللاً بنيوياً عميقاً في النظام الصحي السوري، حيث يتطلب الحصول على أكياس الدم إجراءات معقدة تزيد الضغط على المرضى وعائلاتهم النظام المعمول به يقوم على مبدأ “المتبرع مقابل الكيس”، أي أن أي مريض يحتاج إلى كمية من الدم عليه تأمين عدد مماثل من المتبرعين، وهي آلية تهدف نظرياً للحفاظ على مخزون مستقر، لكنها تتحول عملياً إلى عائق أمام الفئات الأشد فقراً أو الذين لا يملكون شبكة دعم واسعة
تتداخل في هذه الأزمة عوامل عدة، أبرزها نقص الكوادر الطبية المدربة، وقدم الأجهزة في المراكز الحكومية، وغياب بنية رقمية متطورة تسمح بتتبع الزمر الدموية النادرة أو إدارة عمليات التبرع بكفاءة.
تراجع الاستثناءات الرسمية في بعض المدن يزيد صعوبة وصول المرضى إلى احتياجاتهم، تحديداً في الحالات التي تتطلب سرعة عالية لإنقاذ الأرواح
إلغاء إلزامية التبرع لفئات واسعة مثل الطلاب والعسكريين والموظفين قلل أعداد المتبرعين الدوريين الذين شكلوا سابقاً العمود الفقري للمخزون، ومع زيادة الطلب وتراجع المعروض أصبحت الأزمة أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل غياب قاعدة بيانات مركزية للمتبرعين وعدم وجود حملات وطنية منظمة تشجع التبرع الطوعي أو برامج تثقيف صحي لرفع الوعي حول أهمية توفير الزمر النادرة
على المستوى الإداري، تعمل مؤسسة الدم وفق إجراءات تصحيحية تشمل توحيد آليات نقل الدم وتحسين الرقمنة وتعزيز معايير الأمان، لكنها تواجه عقبات كبيرة تتعلق بنقص التجهيزات، وقدم الأجهزة المخبرية، وضعف التمويل، وتعدد الجهات المشرفة. غياب منظومة اقتصادية صحية متماسكة يجعل تأمين المستلزمات الأساسية مثل الأكياس الفارغة خاضعاً لتقلبات الاستيراد والتمويل
كما أن التوزيع الجغرافي غير المتوازن للمراكز العاملة يزيد الضغط على المراكز القائمة، ورفع تكاليف النقل وأضعف القدرة على الاستجابة في الطوارئ، ندرة الزمر السلبية تشكل تحدياً عالمياً لكنها تزداد حدة في سوريا مع غياب برامج استقطاب هذه الفئات من المتبرعين
في ظل هذه التعقيدات، تسعى المؤسسة إلى إنشاء قاعدة بيانات رقمية متكاملة للمتبرعين، وتفعيل التعاون الإقليمي بعد عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، بما يسمح باستيراد الزمر النادرة وفق معايير دولية، إلى جانب زيادة الكوادر عبر إعادة المفصولين وفتح باب التوظيف، وإدخال تقنيات جديدة لرفع جودة الفحوص وكفاءة التتبع
تظل الأزمة انعكاساً للواقع الصحي في البلاد، حيث ضعف البنى التحتية وقلة الموارد والاعتماد على جهود فردية بدل أنظمة مؤسسية متماسكة، ومع أن الإجراءات الجارية قد تساهم في تخفيف حدتها، فإن الوصول إلى منظومة آمنة ومستقرة لتأمين الدم يحتاج إلى رؤية وطنية أوسع تشمل تمويلاً كافياً، وتشجيع التبرع الطوعي، وتطوير البنية الرقمية، وضمان أن الحصول على الدم حق طبيعي لجميع المرضى.