تشهد محافظة حمص تحولات عميقة منذ سقوط النظام السابق، إذ بقيت واحدة من أكثر المناطق السورية التي تعرّضت لهزّات اجتماعية وأمنية واسعة. فملفات المقابر الجماعية، وعمليات التصفية ذات الطابع الانتقامي والطائفي، والجرائم الجنائية، وعمليات الخطف، ما تزال جميعها تلقي بظلال ثقيلة على مجتمع هشّ بطبيعته ومتعدد المكوّنات.
وفي الوقت الذي لم تندمل فيه آثار الماضي، ما تزال نتائج الانتهاكات القديمة حاضرة بقوة، مع اكتشاف 13 مقبرة جماعية تضمّ رفات 1285 ضحية بينهم أطفال ونساء، وهو رقم يعكس عمق الجراح التي خلّفتها سنوات طويلة من القمع والعنف المنظّم.
أما في المرحلة الراهنة، فتسجّل المحافظة مستوى مقلقًا من التصعيد الداخلي. فمنذ مطلع العام الجاري، تم توثيق 381 عملية تصفية انتقامية أدت إلى مقتل 347 رجلاً و22 امرأة و10 أطفال، من بينها 240 حالة تحمل طابعًا طائفيًا، ما يشي باستمرار بُنى النزاع القديمة وإعادة إنتاجها تحت مظلات جديدة.
كما رُصدت 13 جريمة قتل جنائية خلّفت وراءها 10 رجال وامرأتين وطفلًا، إضافة إلى سلسلة من عمليات الخطف التي باتت جزءًا من مشهد يومي تتداخل فيه الحسابات الانتقامية مع الفوضى الأمنية وتراجع سلطة القانون.
ويرى أهالي المحافظة وقوى المجتمع المحلي أنّ المشهد العام يتجه نحو مزيد من التأزّم، في ظل غياب مسارات واضحة للمحاسبة أو آليات تهدئة فعّالة. ويؤكدون أن استمرار هذا المنحى يفتح الباب واسعًا أمام تأجيج خطابات الكراهية وإعادة إحياء الاصطفافات التي تهدد ما تبقى من السلم الأهلي في حمص.
كما يطالب الأهالي الجهات المعنية بالتحرك السريع لمعالجة الملفات الأكثر حساسية، وتفكيك الأسباب التي قد تؤدي إلى فتنة جديدة أو صراع داخلي بين أبناء المحافظة، معتبرين أن ترك الأمور على ما هي عليه سيزيد من احتمالات الانزلاق نحو موجة جديدة من العنف.
تظهر بيانات الأحداث في حمص أن المحافظة لم تنتقل فعليًا إلى مرحلة الاستقرار، بل ما تزال عالقة في حلقة متصلة بين إرث الانتهاكات الماضية وتصاعد التوترات الحالية. ويمكن تلخيص أبرز النقاط التحليلية بما يلي:
إرث الماضي حاضر بقوة
اكتشاف المقابر الجماعية بأعداد كبيرة يشير إلى أن ملف العدالة الانتقالية لم يُفتح بشكل جدي، ما يجعل المجتمع يعيش على وقع جراح غير معالجة.
العنف يعيد إنتاج نفسه
ارتفاع عمليات التصفية ذات الطابع الطائفي يثبت وجود شبكات محلية ما تزال تدير العنف وفق منطق الثأر، بعيدًا عن سلطة القانون.
تفكك سلطة الدولة
تعدد الجرائم الجنائية والخطف يعكس غياب الضبط الأمني الحقيقي، ويشير إلى دور مجموعات مسلحة أو جهات منفلتة تستفيد من الفوضى.
تهديد مباشر للسلم الأهلي
استمرار هذا المسار يعني أن حمص قد تكون أمام موجة جديدة من الاحتقان قد تعيدها إلى مربع الصراع الداخلي.
الحاجة إلى تدخل عاجل
إن غياب المعالجة الجدية من السلطات، والاكتفاء بردود فعل شكلية، سيُبقي المحافظة تحت خطر الانفجار في أي لحظة.