تشهد مناطق شمال شرقي سوريا تحوّلًا عسكريًا وسياسيًا لافتًا، يتمثل بانضمام آلاف العسكريين الذين خدموا سابقًا في تشكيلات النظام إلى صفوف “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). هذا التطور، الذي تتابعه جهات محلية وميدانية منذ أشهر، يُعد واحدًا من أبرز المتغيرات التي رافقت مرحلة ما بعد سقوط النظام، في سياق مشهد متداخل بين الحاجة الأمنية، والفراغ السياسي، والبحث عن أدوار جديدة داخل الخارطة السورية المتغيرة.
كتلة متنامية داخل الحقول النفطية
بدأ وصول مقاتلين وضباط من التشكيلات العسكرية السابقة إلى مناطق سيطرة “قسد” تدريجيًا، وارتفع عددهم اليوم إلى ما يزيد على 4500 عنصر موزعين داخل الرقة والحسكة ودير الزور.
في حقل “العمر” النفطي وحده تجاوز عدد المنضمين كدفعة أولى أكثر من 2200 عنصر، بينهم ضباط كبار، ما أعطى لهذه الكتلة ثقلًا عسكريًا مباشرًا في موقع شديد الحساسية خاصة بعد انسحاب القوات الأمريكية من أجزاء من محيطه.
ويمتد وجودهم أيضًا في حقل “كونيكو” للغاز ومواقع أخرى تعتمد عليها “قسد” كمراكز دعم لوجستي وعسكري. معظم هؤلاء قادمون من تشكيلات عسكرية للنظام عملت سابقًا في البادية السورية أو في الرقة والحسكة، مثل “الفرقة 17” و“الفرقة الثالثة” و“الفرقة 47”، إضافة إلى عناصر خدموا سابقًا في “الحرس الجمهوري”.
ضباط بارزون وانتقال ثقيل
انضمّت أسماء عسكرية وازنة إلى “قسد”، بينها ضباط كانوا في مواقع قيادية ضمن تشكيلات مؤثرة، مثل ضباط من “الفرقة الرابعة”، و“الحرس الجمهوري”، ووحدات قتالية شاركت في معارك دير الزور والرقة.
ويضم هذا المسار ضباطًا وعناصر اضطر بعضهم لمغادرة مناطقهم بعد تغيّر موازين القوى، بينما فضّل آخرون الانتقال لتأمين مواقع جديدة ضمن الترتيبة العسكرية المستجدة في شرق الفرات.
وتتوزع مهام هؤلاء في الحقول النفطية، ضمن قوات خاصة تابعة لـ“قسد”، وفي وحدات “YAT” التي تُعد من أكثر التشكيلات تدريبًا وتسليحًا داخل منظومة “قسد”.
مسار دخول وتدريب منظّم
الدفعات الوافدة تصل غالبًا عبر منطقة “سيمالكا” الحدودية، أو بواسطة طرق داخلية قادمة من الساحل والبادية.
وفي الحسكة والرقة جرى افتتاح معسكرات تدريب لاستيعاب المنضمين الجدد، خاصة في “فوج الميلبية” وجبل عبد العزيز، وهو ما يشير إلى رغبة “قسد” في إعادة هندسة بنيتها العسكرية بما يجعلها أكثر تنوعًا وخبرة.
وتتحدث مصادر محلية عن تقسيم تنظيمي داخل حقل “العمر” نفسه، حيث يتم فصل المجموعات القادمة من مناطق الساحل في مبانٍ خاصة، بينما توزّع أخرى ضمن القوات الخاصة أو وحدات الاقتحام.
تنسيق غير مباشر وحركة تحولات سياسية
يُلاحظ توسّع التحركات بين “قسد” وعناصر النظام السابق بالتزامن مع نشاط جوي مروحي في مطار القامشلي، يُعتقد أنه جزء من منظومة مراقبة وتسهيل حركة التنقل.
وتأتي هذه التطورات في ظل نقاشات مستمرة حول آليات الدمج في “الجيش السوري الجديد”، وفق مسار تفاوضي قائم منذ اتفاق 10 آذار بين السلطة الانتقالية وقيادة “قسد”. ويشمل هذا المسار بحث انتشار “قسد” ضمن مناطق سوريا كافة في إطار تعريف جديد لمفهوم “اللامركزية الأمنية”.
ويرى خبراء أن انضمام عناصر كانوا جزءًا من التشكيلات العسكرية التقليدية يسهّل من الناحية العملياتية عملية الدمج المرتقبة، خصوصًا أن قيادات دولية مؤثرة مثل روسيا والولايات المتحدة تراقب هذا المسار، وتتعامل معه بما ينسجم مع مصالحها الأمنية والاقتصادية.
فوارق الرواتب… شرخ داخل القوة
الرواتب المرتفعة التي يحصل عليها المنضمون الجدد تُعد أحد العوامل الأكبر في هذا التحول.
فرواتب عناصر “قسد” القدامى لا تتجاوز في معظم الأحيان 150 دولارًا، بينما يحصل العنصر القادم حديثًا على 350 دولارًا، وصف الضابط على 500 دولار، وقد يصل راتب الضابط إلى 1000 دولار.
هذا الفارق أدى خلال الفترة الماضية إلى موجة استقالات وانشقاقات داخل صفوف “قسد”، في ظل شعور متزايد بعدم العدالة بين المقاتلين الذين خاضوا المعارك لسنوات وبين الوافدين الجدد.
إشكالات أمنية وانعكاسات ميدانية
يتحدث سكان في الريف الشرقي لدير الزور عن انتشار ممارسات مرتبطة بالتضييق وسوء استخدام السلطة في بعض الحواجز التي تضم عناصر قادمين من تشكيلات سابقة.
وقد سجلت حوادث تتعلق بمصادرة مبالغ مالية وممتلكات شخصية، ما أثار مخاوف الأهالي من عودة أنماط أمنية قديمة، خصوصًا في مناطق مثل هجين وأبو حمام والطيانة والبصيرة.
ويشير مدنيون من المنطقة إلى أن التدقيق الأمني ارتفع بشكل ملحوظ، وأن بعض الأساليب تشبه ما كان يُمارس في السابق، الأمر الذي يعمّق من حالة التوتر بين الأهالي والقوة المسيطرة على الأرض.
تغيّر الهوية السياسية لـ“قسد”
يرى عدد من الباحثين أن دمج مجموعات كبيرة من العسكريين السابقين يضع “قسد” أمام اختبار صعب يتعلق بمصداقية مشروعها.
فالتحول من قوة ذات طابع محلي–تحرري إلى قوة تضم أعدادًا كبيرة من كوادر سابقة عملت ضمن أجهزة مختلفة، قد يُعيد إنتاج نمط سياسي وأمني لا ينسجم مع الخطاب الذي رفعته “قسد” خلال الأعوام الماضية.
وتبرز هذه الإشكالية بشكل أكبر في ظل الخلافات الداخلية داخل “قسد” بين تيارات مختلفة، بعضها ينسجم مع مشروع الدولة السورية الجديدة، وبعضها الآخر يتحفظ على هذا المسار ويرى في الانفتاح على الضباط السابقين خطًا أحمر.
مشهد معقّد قبل تنفيذ اتفاق 10 آذار
رغم استمرار جولات التفاوض بين السلطة الانتقالية وقيادة “قسد”، فإن المسار لا يزال تعترضه عوائق عديدة، أبرزها التباينات داخل “قسد” نفسها، وتأثير القوى الإقليمية والدولية في تحديد شكل القوة العسكرية المستقبلية شرق الفرات.
ويرى محللون أن استيعاب آلاف العناصر المنتمين سابقًا إلى تشكيلات النظام، سواء في الشمال الشرقي أو في الجنوب السوري، يعكس حالة فراغ سياسي، ومحاولات متوازية لصياغة مراكز نفوذ جديدة قبل اكتمال مسار الدمج الوطني.