في تطور لافت يعكس عمق التحول في مسار العلاقات المصرية–التركية بعد سنوات من التوتر، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره المصري بدر عبد العاطي في أنقرة، عن تحضيرات مكثفة لتوقيع "عدد كبير من الاتفاقيات" بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان، في إطار مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى المقرر عقده العام المقبل.
تعزيز مؤسسات التعاون الثنائي
فيدان أوضح أن لجنة التخطيط المشتركة بين البلدين أنهت اجتماعاتها برئاسة وزارية ثنائية وبمشاركة مسؤولي الملفات الاقتصادية والأمنية والثقافية، تمهيدًا لعقد المجلس الاستراتيجي في نسخته الثانية. وأكد أن مصر باتت “أكبر وأهم شريك تجاري لتركيا في القارة الإفريقية”، في إشارة إلى رغبة أنقرة في توطيد حضورها في الأسواق العربية والإفريقية عبر البوابة المصرية.
أما الوزير المصري بدر عبد العاطي، فقد شدد خلال كلمته في مركز الأبحاث التركي (SETA) على أن العلاقات بين القاهرة وأنقرة تشهد “تطورًا نوعيًا غير مسبوق”، تجسده وتيرة الزيارات المتبادلة واللقاءات الرسمية رفيعة المستوى خلال الشهور الأخيرة. وأشار إلى أن اجتماعات مجموعة التخطيط المشتركة تناولت ملفات الاستثمار والطاقة والنقل البحري والصناعات الدفاعية، ما يعكس إرادة سياسية واضحة لدى الجانبين لتحويل المصالحة إلى شراكة استراتيجية مستدامة.
تحولات إقليمية تعيد رسم موازين العلاقات
تزامن الحراك الدبلوماسي المصري–التركي مع متغيرات جيوسياسية أعمق في المنطقة، أبرزها الحرب الإسرائيلية على غزة، وملفات شرق المتوسط، والحدود الليبية، وهي ملفات لطالما كانت محور تنافس بين أنقرة والقاهرة.
غير أن البلدين وجدا في المرحلة الراهنة مصلحة مشتركة في تنسيق المواقف، خاصة في ظل التقارب التركي المتزايد مع الدول العربية، ورغبة القاهرة في تنويع تحالفاتها الإقليمية لتقوية موقعها في ملفات الأمن الإقليمي والطاقة.
كما يعكس الانفتاح المصري–التركي رغبة الطرفين في تجاوز عقدة الماضي، بعد أكثر من عقد من التوتر السياسي منذ عام 2013، لتفتح المرحلة الجديدة صفحة عنوانها “البراغماتية السياسية” وتبادل المنافع الاقتصادية.
نحو شراكة اقتصادية واستراتيجية أوسع
بحسب مصادر دبلوماسية في أنقرة، فإن التحضيرات الجارية تشمل اتفاقيات في مجالات النقل الجوي والبحري، ومشروعات الطاقة المتجددة، والتعاون الدفاعي، إضافة إلى فتح مسارات جديدة للاستثمارات المتبادلة في البنية التحتية والصناعات.
ويُتوقع أن يُتوّج هذا المسار بتوقيع الرئيسين السيسي وأردوغان على حزمة اتفاقيات استراتيجية خلال اجتماع مجلس التعاون في 2026، ما سيضع العلاقات بين البلدين على مسار مؤسسي طويل الأمد.
يمكن القول إن القاهرة وأنقرة تسيران بخطوات محسوبة نحو إعادة بناء علاقة متوازنة قائمة على المصالح الاقتصادية والتنسيق السياسي، في وقت تتزايد فيه الحاجة الإقليمية إلى محور عربي–تركي قادر على لعب دور مؤثر في ملفات المنطقة، من غزة إلى شرق المتوسط.
ورغم بقاء بعض الملفات الخلافية قائمة، فإن لغة المصالح تتقدم على لغة الأيديولوجيا، في مؤشر على أن السنوات المقبلة قد تشهد ولادة تحالف مصري–تركي جديد، عنوانه التعاون بدل التنافس.