تسابق الدوحة الزمن مع شركائها الدوليين لتحديد مستقبل غزة بعد الحرب، في لحظة توازن حساسة بين ترتيبات أمنية معقدة وطموحات سياسية لإعادة بناء منظومة الحكم الفلسطيني تصريحات رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني توضح ملامح رؤية قطرية تقوم على إعادة السلطة الفلسطينية إلى المشهد بشكل تدريجي ومدروس، مع ضمان أمن الفلسطينيين والإسرائيليين في آن معاً، وصياغة تفويض دولي واضح المعالم في إطار اتفاق السلام المنتظر.
تفويض دولي بصلاحيات محددة… ورفض توريط القوى العربية
يشير آل ثاني إلى أن النقاشات الجارية مع واشنطن تهدف إلى تصميم صلاحيات دقيقة للقوات الدولية المتوقع نشرها طبقاً للاتفاق، على أن تتخذ هذه القوات دور الضامن الأمني للطرفين، لكنها لن تكون بديلاً عن الأجهزة الفلسطينية ولا بديلاً عن الدولة.
ويركز الوزير على مبدأ أساسي: لا طرف عربي أو إسلامي سيوضع في موقع مواجهة الفلسطينيين. بمعنى آخر، تسعى قطر لمنع تكرار سيناريوهات تاريخية أدت لتآكل الثقة العربية بمشاريع الأمن المشتركة. هذه المقاربة تعكس قراءة قطرية بأن أي وجود أمني خارجي لا يمكن أن يكون فاعلاً دون قبول فلسطيني واسع، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً في بيئة سياسية مجروحة بفعل الخسائر والانقسامات.
السلطة الفلسطينية في قلب المشهد… لكن مع إصلاحات ضرورية
ترى الدوحة أن الحل لا يمكن أن يكون جزئياً أو قائماً على إدارة مؤقتة معزولة، بل ضمن مشروع متكامل يعيد توحيد الضفة وغزة تحت الإدارة الفلسطينية. الحديث عن لجنة تكنوقراطية انتقالية ومفاوضات بين الفصائل يسعى لضمان انتقال سلس وشرعي. ورغم أن الوزير لم يحدد طبيعة الإصلاحات المطلوبة، إلا أن السياق الإقليمي والدولي يوحي بأنها ستكون مرتبطة بتعزيز الشفافية وإعادة هيكلة الأجهزة الإدارية والأمنية، بما يهيئ السلطة لتكون طرفاً مقبولاً داخلياً وخارجياً في المرحلة المقبلة.
وقف إطلاق النار… هشاشة المسار وتهديدات التصعيد
رغم الإشارة إلى اتفاق وقف إطلاق النار، يصفه الوزير بأنه هش ومعقد للغاية، محمّلاً إسرائيل مسؤولية “انتهاكات غير متناسبة” تهدد الاتفاق. ويكشف عن تشغيل غرفة عمليات مشتركة بين قطر ومصر والولايات المتحدة للتدخل ومنع الانهيار، في آلية تعكس ثقة هذه الدول بقدرتها على التأثير على الأطراف المختلفة. الإشارة إلى “خطر انهيار الاتفاق” تكشف عن هشاشة البيئة الأمنية، واحتمال أن أي حادث ميداني قد يفجّر الوضع مجدداً ويعيد المفاوضات إلى نقطة الصفر.
قطر وإيران… مقاربة براغماتية لتجنب التصعيد الإقليمي
في الشق الإقليمي الأوسع، تبرز تصريحات الوزير بشأن إيران باعتبارها شريكاً جغرافياً واقتصادياً لا يمكن تجاهله. المقاربة القطرية هنا تقوم على الواقعية والوساطة، بدل المواجهة أو الاستقطاب، بما ينسجم مع سياسة الدوحة منذ عقدين: الحوار مع الجميع والحفاظ على قنوات مفتوحة لتفادي الانفجار الإقليمي. دعم العودة للاتفاق النووي يعكس رغبة قطر في منع سباق تسلح في الخليج، وتجنب زعزعة الأمن الذي سينعكس مباشرة على أمنها الداخلي ومصالحها الاقتصادية.
رؤية قطر… بين بناء السلام ومواجهة الحقائق الصلبة
تحاول قطر دفع مقاربة سياسية متوازنة تجمع بين حماية الفلسطينيين، منع انهيار السلطة، وتهيئة بيئة دولية صلبة لحل الدولتين. لكن التحديات تبقى كبيرة، أهمها عمق الانقسام الفلسطيني، اشتراطات الأطراف الدولية المختلفة، ومخاوف إسرائيل الأمنية. ومع ذلك، توحي التصريحات بأن الدوحة تراهن على لحظة دولية نادرة لإعادة بناء منظومة الحكم الفلسطينية على أسس جديدة، مع دور إقليمي ودولي منظم ومتفق عليه.