صوت جديد في الجزيرة.. لا لقسد

2025.10.27 - 10:39
Facebook Share
طباعة

 تعيش مناطق الجزيرة السورية، الممتدة بين دير الزور والرقة والحسكة، على وقع تصاعد جديد للتوتر بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وعدد من أبناء العشائر العربية، بعد ظهور حركة جديدة تُعرف باسم “شرق”، بدأت نشاطاً علنياً خلال الأيام الأخيرة عبر توزيع منشورات وملصقات تدعو إلى رفض وجود "قسد" في المنطقة.

ويشير هذا التحرك، الذي اتخذ شكلاً سلمياً ومدنياً، إلى مرحلة جديدة من التعبير السياسي الشعبي ضد السلطة القائمة في شمال وشرق سوريا، في ظل تراكم الخلافات حول الإدارة الذاتية، وآليات توزيع السلطة، واتهامات بالتمييز ضد المكوّن العربي.


حركة جديدة ورسائل مباشرة
تعرّف حركة “شرق” نفسها بأنها حركة سياسية شعبية منبثقة من أبناء الجزيرة السورية، تهدف إلى بناء "سوريا موحّدة، عادلة، ديمقراطية، تضمن حقوق جميع مواطنيها"، وفق ما جاء في بياناتها.
لكنّ ظهورها المفاجئ، وتزامن نشاطها مع تصاعد الخلافات بين العشائر و"قسد"، أثار تساؤلات حول دوافعها، ومدى قدرتها على تحريك الشارع المحلي في مناطق يغلب عليها الطابع الأمني المشدد.

وقال أحد أعضاء الحركة، رفض الكشف عن اسمه لدواعٍ أمنية، إنّ حملاتهم الأخيرة جاءت ردّاً على تصريحات قادة في “قسد” حول نيتهم البقاء في المنطقة كقوات أمن داخلي وحرس حدود، بالتنسيق مع التحالف الدولي.
وأضاف أن هذه المواقف تعني عملياً "تكريس واقع الاحتلال والهيمنة العسكرية"، على حد وصفه، مشيراً إلى أن أبناء المنطقة "سئموا من التهميش والعنف اليومي"، وأن المقاومة المدنية هي "الطريق الوحيد لاستعادة القرار المحلي".


احتقان متصاعد ومخاوف من الانفجار
خلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت مؤشرات الغضب الشعبي في مناطق دير الزور والرقة، بعد سلسلة من الاشتباكات بين “قسد” ومجموعات عشائرية عربية، كان آخرها في قرية كرهوك بريف القامشلي، حيث شهدت البلدة مواجهة دامية بين عناصر “قسد” وأفراد من قبيلة شمر، على خلفية مداهمة منزل أحد قادة "قوات الصناديد" فجر الخميس الماضي.

ووفق شهود عيان، فإنّ القوة المهاجمة استخدمت آليات مدرعة وأسلحة متوسطة، وطوقت منزل القيادي محمود الهليل مطالبة بتسليم نجليه، القياديين في "قوات الصناديد"، ما أدى إلى اشتباكات انتهت بمقتل الهليل نفسه.

الحادثة أثارت موجة غضب واسعة في الأوساط العشائرية، ودفعت شخصيات سياسية ووجهاء إلى إدانة ما وصفوه بـ"العنف المفرط" من جانب "قسد".
وقال رئيس تيار الغد السوري أحمد الجربا إن العملية كانت "استعراضاً غير مسبوق للقوة الغاشمة"، واصفاً مقتل الهليل بأنه "جريمة ارتُكبت عن سابق إصرار" أفضت إلى ترويع المدنيين، داعياً إلى "وقف ممارسات الأجهزة الأمنية التي تزرع الفتنة بين أبناء المنطقة الواحدة".


قسد تبرر والمكوّن العربي يحتج
في المقابل، نفت مصادر مقربة من “قسد” الاتهامات الموجهة إليها، مؤكدة أن العملية الأمنية في كرهوك جاءت بناء على معلومات استخباراتية عن نشاط "خلايا خارجة عن القانون"، وأن ما جرى "لا يستهدف قبيلة أو مكوّناً بعينه".
وشدّدت هذه المصادر على أن "قسد" تعمل بالتنسيق مع التحالف الدولي لضبط الأمن في مناطقها، وأنها "تحاول منع انزلاق المنطقة نحو صراعات عشائرية تهدد الاستقرار".

غير أن العديد من وجهاء العشائر يردّون على هذه المبررات بالقول إن "الأمن لا يُبنى بالقوة"، وإن غياب الحوار الحقيقي بين “قسد” والمجتمع المحلي يدفع نحو مزيد من الانقسام، خصوصاً مع استمرار الاعتقالات والمداهمات في دير الزور والرقة تحت عنوان "مكافحة الإرهاب".


تحليل: أزمة تمثيل وهوية في الجزيرة
يرى مراقبون أن صعود حركة "شرق" يأتي في لحظة مفصلية، حيث تواجه “قسد” تحدياً حقيقياً في كسب ثقة المكوّن العربي الذي يشكل غالبية سكان المنطقة، بعد سنوات من الإدارة ذات الطابع العسكري.
ويقول باحث في الشؤون الكردية والعربية في شمال سوريا إن “ظهور حركة شرق يعبّر عن انتقال المعارضة المحلية من مرحلة الغضب الصامت إلى الفعل الرمزي العلني”، مشيراً إلى أن “توزيع المنشورات خطوة صغيرة لكنها تحمل دلالات كبيرة على تراجع هيبة السلطة القائمة”.

وأضاف الباحث أن “الحراك الحالي لا يبدو منظماً بعد، لكنه يعكس تبدلاً في المزاج الشعبي، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وتراجع الخدمات، واستمرار سياسة الاعتقالات والمداهمات”.

كما أشار إلى أن “قسد”، رغم سيطرتها العسكرية، تواجه معضلة غياب الشرعية الاجتماعية، إذ ينظر إليها كثير من العرب على أنها سلطة مفروضة بدعم خارجي، ما يجعل أي تصعيد ضدها – حتى وإن كان سلمياً – يحمل في طيّاته احتمالات انفجار أكبر مستقبلاً.


خاتمة: ما بعد المنشورات
حتى اللحظة، لم تُصدر "قسد" أي تعليق رسمي بشأن منشورات حركة "شرق"، كما لم يُعرف ما إذا كانت هذه الحملة ستتطور إلى نشاطات أكبر أو ستبقى في نطاقها الرمزي.
لكنّ المؤشرات الحالية توحي بأن الجزيرة السورية دخلت مرحلة جديدة من الحراك المدني غير المسلح، في مواجهة سلطة تتسم بالجمود الأمني، ووسط فراغ سياسي واضح على المستويين المحلي والإقليمي.

في الوقت ذاته، تبدو العشائر العربية أمام اختبار صعب بين خيار المواجهة المسلحة أو التمسك بالمقاومة السلمية، فيما تحاول "قسد" الحفاظ على نفوذها من خلال ضبط الوضع الأمني دون خسارة حلفائها في التحالف الدولي.

وبين هذا وذاك، تبقى الأسئلة معلّقة:
هل ستبقى حركة “شرق” صوتاً احتجاجياً محدوداً، أم أنها بذرة تحوّل سياسي قد تغيّر ميزان القوى في شمال سوريا؟
الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 4