تعيش قرية ريمة اللحف في ريف السويداء على وقع جدلٍ واسعٍ، بعد قرار اللجنة القانونية التابعة لحكمت الهجري بتعيين مجلس بلدي جديد، ما فُسّر من قبل الأهالي على أنه تعدٍّ على إرادة السكان و"انقلاب إداري" على المجلس المنتخب محلياً قبل أقل من عام.
ورغم أن القرار أُعلن بصفته إجراءً قانونياً، فإن تفاصيله وسياقاته تعكس صراعاً داخلياً أعمق بين الهيئات المحلية في السويداء، حول شرعية التمثيل الشعبي وحدود السلطة التي تمارسها "اللجنة القانونية"، في منطقة ما زالت تعيش فراغاً سياسياً وإدارياً منذ انسحاب مؤسسات الدولة الرسمية منها تدريجياً.
قرار مثير للجدل
في الثالث والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر الحالي، أصدرت اللجنة القانونية قرارها بتعيين مجلس بلدي جديد في قرية ريمة اللحف، مكوّن من خمسة أعضاء، بدلاً عن المجلس الذي انتُخب عقب سقوط النظام في نهاية العام الماضي.
وبحسب رواية اللجنة، فإن القرار جاء استجابةً لـ"عريضة شعبية" موقعة من الأهالي، تطالب بعزل المجلس القديم بسبب "تعاونه مع الحكومة المركزية في دمشق" و"ضعف أدائه الخدمي".
لكن الأهالي يقدّمون روايةً مختلفة تماماً، إذ يؤكدون أن العريضة لم تُوقّع من أي جهة محلية، وأن التواقيع المرفقة بالوثيقة مزوّرة أو جُمعت دون علم أصحابها. ويعتبر سكان القرية أن اللجنة استندت إلى "وثيقة ملفّقة" لتبرير إقالة مجلسٍ تم انتخابه بتوافق شعبي واسع، وأن ما حدث يشكّل سابقة خطيرة في طريقة إدارة الشأن المحلي بالمحافظة.
اتهامات متبادلة وضعف في الثقة
يرى المعارضون للقرار أن اللجنة القانونية تجاوزت حدود دورها، وتحولت من هيئة تنظيمية إلى سلطة تنفيذية فوق إرادة الناس. ويقول أحد سكان القرية، رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية:
"ما حدث ليس إجراءً قانونياً، بل انقلاب إداري مصغّر على إرادة الناس. يريدون السيطرة على قرارات القرى، حتى لو أدى ذلك إلى تفجير الخلافات الداخلية."
ويشير الأهالي إلى أن المجلس البلدي السابق – رغم محدودية الإمكانيات – نجح خلال أحد عشر شهراً في تحسين خدمات المياه والطرق وتنظيم شؤون الزراعة، واستقطب احترام معظم السكان بفضل عمله التطوعي.
في المقابل، تبرّر اللجنة القانونية قرارها بأنه جاء "لتصحيح مسار الإدارة المحلية" وضمان استقلالية المجالس عن أي نفوذ حكومي أو حزبي، مشدّدة على أن تعيين الأعضاء الجدد "خطوة انتقالية" إلى حين استكمال الترتيبات القانونية.
إلا أن معارضين يرون في هذه الخطوة تدخلاً سياسياً تحت غطاء القانون، هدفه توسيع سيطرة اللجنة على القرى والبلدات التي ما زالت تتمتع بهوامش استقلال نسبي في إدارة شؤونها.
اتهامات بالفساد وضعف الكفاءة
وفق شهادات متقاطعة من أبناء القرية، فإن الأعضاء الجدد الذين تم تعيينهم لا يمتلكون مؤهلات كافية، وبعضهم لا يحمل شهادة الثانوية العامة، بينما لا يتجاوز مؤهل رئيس المجلس الابتدائي.
ويقول أحد وجهاء ريمة اللحف إن هذا التعيين "يمثّل تراجعاً في مستوى الكفاءة"، ويعكس رغبة في مكافأة الولاءات لا الخبرات.
ويضيف:
"حين يُعيَّن مجلس بلا خبرة لإدارة قرية تعتمد على الزراعة والمشاريع الخدمية البسيطة، فهذا يعني أننا أمام عجز إداري مقصود أو محاولة لإحكام السيطرة السياسية."
وبحسب ما رصده ناشطون محليون، تعيش القرى المجاورة حالة من الترقب والخوف من أن تتكرر هذه التعيينات المفروضة في بلدات أخرى، وهو ما قد يشعل موجة احتجاجات أوسع في محافظة تشتهر بحساسيتها تجاه أي مساس بإرادتها المحلية.
من الخلاف الإداري إلى الاحتقان الشعبي
ليست هذه المرة الأولى التي تشهد فيها السويداء خلافات حول إدارة الشؤون المحلية. فالفراغ السياسي الذي خلفه انسحاب مؤسسات الدولة الرسمية، أفسح المجال أمام تعدد المرجعيات: لجان قانونية، وجهات روحية، ومجالس أهلية، وميليشيات محلية، وكل منها يحاول فرض تصوره للسلطة.
في هذا السياق، تحوّل الصراع في ريمة اللحف إلى نموذج مصغّر لصراع أكبر يدور حول من يملك حق تمثيل الناس وإدارة مناطقهم. فبينما ترى اللجنة القانونية أنها تمثل "الشرعية الثورية"، يتمسّك الأهالي بـ"الشرعية الشعبية" التي اكتسبوها عبر صناديق الاقتراع المحلية.
ويحذر مراقبون من أن استمرار تجاهل هذه الخلافات سيؤدي إلى احتقان متزايد داخل النسيج الاجتماعي في السويداء، لا سيما أن المحافظة باتت تعتمد على التوازن بين القوى المحلية، وأي خلل فيه قد يدفع نحو مواجهات داخلية يصعب احتواؤها.
كما يشير محللون إلى أن “الاستقطاب بين القانوني والشعبي” يعكس معضلة الحكم المحلي في سوريا بشكل عام، إذ تسعى الكيانات الجديدة لتثبيت شرعيتها عبر المركزية، في حين يتمسك السكان بالتمثيل المباشر باعتباره الضمان الوحيد لعدم عودة أساليب الإقصاء القديمة.
احتمالات التصعيد
حتى الآن، لم تتراجع اللجنة القانونية عن قرارها، رغم الدعوات الواسعة لإلغائه. ويقول ناشط من أبناء القرية إن “الأهالي في ريمة اللحف مستعدون للتصعيد السلمي إذا لم يتم التراجع عن القرار خلال الأيام المقبلة”، محذرًا من أن تجاهل المطالب قد يؤدي إلى “انفجار داخلي لا تُعرف نتائجه”.
في المقابل، تلمّح مصادر مقربة من اللجنة إلى إمكانية "مراجعة القرار" في حال ثبت وجود تجاوزات في آلية التعيين، لكن دون الالتزام بإعادة المجلس القديم.
وبين الرفض الشعبي والتبرير القانوني، تبقى قرية ريمة اللحف عنواناً جديداً للتجاذب في السويداء، التي ما زالت تبحث عن معادلة تُرضي الناس وتحافظ في الوقت ذاته على وحدة القرار المحلي.