تشهد منطقة مساكن الزهريات في العاصمة السورية دمشق حالة من التوتر والقلق، عقب اقتحام جديد نفّذه فصيل مسلح تابع للقوات الرديفة، في حادثة تُعد الثانية من نوعها خلال شهر تشرين الأول الجاري، وأثارت ردود فعل غاضبة بين السكان ومخاوف من تهجير قسري يطال العائلات المقيمة هناك منذ سنوات.
وبحسب ما أكده عدد من الأهالي، وصلت إلى الحي ثلاث سيارات دفع رباعي تقل عناصر مسلحة بكامل عتادها، يرتدون لباساً أسود، ويقودهم شخص يُعرف باسم “أبو أنس” بمساعدة مسؤول أمني يُدعى “أبو حذيفة”، في حين تحدث شهود عن وجود شخص ثالث يُلقب بـ“أبو النور” يشرف على العملية من دون الظهور العلني.
مداهمات وتهديد بالإخلاء
يقول أحد سكان الحي إن العناصر اقتحموا المنازل “بطريقة عنيفة ومهينة”، وبدأوا بتوجيه أسئلة حول الانتماءات الطائفية للسكان، وسط حالة من الرعب بين النساء والأطفال. وأضاف أن المسلحين خلعوا أبواب المنازل المغلقة وفتشوها بالكامل، قبل أن يمنحوا الأهالي مهلة قصيرة تنتهي صباح اليوم التالي لإخلاء مساكنهم.
ويتابع أحد الشهود: “حين حاولنا الاعتراض، قالوا إن القرار نهائي وإنهم أصحاب الكلمة هنا، وهددوا باستخدام القوة في حال تدخل أي جهة رسمية”.
كما أشار سكان إلى أن عناصر الفصيل صادروا عدداً من الهواتف المحمولة، معظمها تعود لنساء، بعد إجبارهن على فتح الأقفال السرية، ولم تُعاد حتى الآن. كما نُقل عدد من الشبان إلى المستشفى بعد تعرضهم للضرب المبرح بأخمص السلاح.
ذكريات اقتحام سابق
الحادثة الأخيرة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن شهدت المنطقة في التاسع من تشرين الأول اقتحاماً مماثلاً، تخللته عمليات تهديد وإهانة للسكان، مع مطالبات بإخلاء المنازل “لأسباب أمنية”، وفق ما قيل حينها.
يقول أحد وجهاء المنطقة إن “الاقتحامات المتكررة تثير تساؤلات حول نية تهجير الأهالي قسراً، خصوصاً أن جميع السكان يمتلكون وثائق رسمية وأحكام محكمة تثبت ملكيتهم للمنازل”.
ويضيف أن “الحي يضم قرابة خمسين منزلاً يقطنها مدنيون، ومعظمهم من محدودي الدخل الذين لا يملكون بديلاً سكنياً في ظل الغلاء الفاحش وارتفاع الإيجارات في العاصمة”.
صمت رسمي ومخاوف شعبية
حتى اللحظة، لم يصدر أي تعليق رسمي من الجهات الحكومية حول الحادثة، ما فُسّر من قبل بعض السكان على أنه “صمت مقلق” قد يعني قبولاً ضمنياً بما يجري، بينما يرى آخرون أن السلطات ربما تنتظر استكمال التحقيقات قبل الإعلان عن موقفها.
مصدر مقرب من إحدى الجهات الرديفة قال إن “العملية جاءت نتيجة معلومات أمنية عن وجود عناصر مشبوهة تسكن بعض المنازل في المنطقة”، مؤكداً أن “الإجراءات مؤقتة وهدفها ضبط الأمن، وليس التهجير كما يروّج البعض”.
لكن ناشطين حقوقيين يرون أن ما يحدث “يتجاوز الإجراءات الأمنية” إلى ما يشبه “العقاب الجماعي”. ويؤكد أحدهم أن “اقتحام المنازل وسؤال الأهالي عن انتماءاتهم الدينية أمر خطير يعيد إلى الأذهان ممارسات الماضي التي زرعت الخوف والانقسام بين السوريين”.
بين الخوف والانتظار
يعيش سكان الزهريات اليوم في حالة من الترقب والخشية، غير مطمئنين إلى مصير منازلهم أو مستقبلهم في الحي. وتقول إحدى السيدات: “ننام على خوف ونستيقظ على إشاعة جديدة. لا نعرف إن كنا سنُجبر على الرحيل غداً أو سنبقى تحت رحمة المسلحين”.
وفي غياب موقف واضح من الجهات الرسمية، يبقى السؤال الأبرز في أذهان الأهالي: هل ستُحسم القضية قانونياً أم ستبقى الكلمة الأخيرة لمن يحمل السلاح؟
وفي الوقت الذي تزداد فيه المطالبات المحلية بوقف أي عمليات إخلاء قسري وضمان حق السكان في البقاء بمنازلهم، تظل منطقة الزهريات شاهدة على مشهدٍ متكرر في سوريا، حيث تتقاطع القوة مع القانون، وتبقى العدالة في انتظار صوتٍ يعلو فوق السلاح.