لم يكن ليل السبت عادياً في ريف دير الزور الشرقي، إذ تجددت الاشتباكات بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) على ضفتي نهر الفرات، في مشهد يعيد إلى الأذهان جولات سابقة من التوتر بين الطرفين، وسط مؤشرات سياسية متناقضة حول مسار التفاهم بينهما.
بحسب مصادر محلية، بدأت المواجهات مساء 25 تشرين الأول واستمرت حتى فجر اليوم، باستخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وتركزت في محيط بلدتي محكان الخاضعة لسيطرة الجيش، وذيبان التي تسيطر عليها "قسد"، لتتسع لاحقاً إلى مناطق الكشمة وأبو حمام.
وتحدثت الأنباء عن محاولة تسلل نفذتها مجموعات من "قسد" نحو مواقع للجيش السوري، قابلها الأخير برد مباشر أدى إلى اشتباك محدود استُخدمت فيه القذائف والرشاشات الثقيلة. وشوهدت طائرة استطلاع تابعة لـ"قسد" تحلّق فوق المنطقة، بينما دفعت قوات الجيش بتعزيزات جديدة إلى مواقعها في محكان.
وبعد ساعات من التوتر، تراجعت حدة الاشتباكات من دون تسجيل إصابات مؤكدة، فيما عاد الهدوء النسبي ليسود المنطقة مع بقاء الاستنفار متواصلاً من الطرفين.
روايتان متناقضتان.. والاتهامات تتبادل عبر النهر
الجيش السوري اعتبر ما جرى "محاولة تسلل فاشلة"، مؤكداً أن عناصره تصدوا للمهاجمين وأجبروهم على الانسحاب، في حين أكدت "قسد" أن مجموعات "مجهولة الهوية" أطلقت قذائف باتجاه مواقعها في بلدة أبو حمام، فردّت على مصدر النيران بشكل "دقيق ومحدود".
ويقول سكان محليون إن تبادل إطلاق النار بات مشهداً متكرراً في الأسابيع الأخيرة، وغالباً ما يأتي على خلفية توترات أمنية أو نشاط شبكات تهريب على ضفتي الفرات، حيث تفصل بضعة أمتار فقط بين مواقع الطرفين.
وتتخذ هذه الاشتباكات أحياناً طابعاً "تحذيرياً"، كما يرى مراقبون، خصوصاً مع استمرار المفاوضات بين دمشق و"قسد" حول ترتيبات إدارية وأمنية تخص شمال وشرق سوريا، من بينها مقترحات تتعلق بدمج بعض الوحدات العسكرية في الجيش السوري.
توتر متجدد على أرض مشتعلة
محافظة دير الزور، التي يتقاسم الطرفان السيطرة عليها، لطالما كانت بؤرة حساسة تعكس تعقيدات الصراع السوري.
ففي أيلول الماضي، شهدت المنطقة اشتباكات مشابهة عندما استهدفت "قسد" عبّارة نهرية قرب بلدة درنج، ما أدى إلى مقتل مدني، أعقبه تصعيد مسلح بين الجيش وعناصر من العشائر المحلية.
وفي آب، تكررت الهجمات بالطائرات المسيّرة على نقاط عسكرية في العشارة ومدخل المدينة الغربي، لتسفر عن إصابات بين المدنيين وتوترات متقطعة.
تلك الحوادث المتكررة تؤشر إلى هشاشة خطوط التماس، إذ يفصل النهر بين سلطتين تتبادلان الاتهامات بالتسلل ودعم المجموعات المحلية المسلحة، بينما يدفع المدنيون ثمن هذا التوتر في أرواحهم ومصدر رزقهم.
ما وراء الاشتباكات.. رسائل سياسية؟
يرى محللون أن تجدد الاشتباكات في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن المناخ السياسي الراهن، إذ تجري مفاوضات بين الحكومة السورية و"قسد" حول مستقبل الإدارة الذاتية.
وقد يُنظر إلى هذه المواجهات كـ"رسائل ضغط" ميدانية، تهدف كل جهة من خلالها إلى تحسين موقعها التفاوضي.
ويشير مراقبون إلى أن "قسد" تواجه بدورها ضغوطاً داخلية في مناطقها، خصوصاً بعد تصاعد الاحتجاجات القبلية في ريف دير الزور، ما يجعلها أكثر حرصاً على إظهار الحزم العسكري، في حين تسعى دمشق لإعادة تثبيت وجودها الرمزي شرق الفرات دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
هدوء مؤقت فوق نهر القلق
مع فجر الأحد، ساد هدوء حذر في المنطقة، وسط مخاوف من تجدّد الاشتباكات في أي لحظة.
الجيش عزز نقاطه الدفاعية على الضفة الغربية، بينما واصلت "قسد" تسيير دوريات مراقبة على الجانب الآخر.
أما السكان، فاختاروا مجدداً الاحتماء في منازلهم بانتظار أن تهدأ “النيران الصامتة” التي لا تزال تشتعل على ضفتي الفرات.
في المشهد العام، تبقى دير الزور مرآة لصراع النفوذ في سوريا، حيث يتقاطع المحلي بالإقليمي، وتتحول ضفة النهر إلى خط تماس سياسي بقدر ما هي عسكري.
فكل طلقة هناك، كما يقول أحد أبناء المنطقة، "تحمل أكثر من رسالة... وبعضها لا يُسمع إلا في قاعات المفاوضات."