ما جرى في السويداء لم يكن مجرد مواجهة محلية بين مجموعات مسلحة، بل اختبار معقد لمدى قدرة الدولة السورية على استيعاب تحولات الميدان الإقليمي والدولي.
حين وصف وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ما حدث بأنه “فخ وقعت فيه جميع الأطراف”، أثار تصريحه جدلاً واسعاً بين المراقبين الذين رأوا في عبارته اعترافاً ضمنياً بسوء تقدير سياسي أكثر منه إقراراً بالهزيمة.
فبين من يعتبر أن الحكومة السورية دفعت ثمن قراءة خاطئة للموقف الدولي، وبين من يرى أن ما جرى كان “مخاطرة محسوبة” جاءت في توقيت ملتبس، تتقاطع الروايات لتشكل مشهداً مركّباً يختلط فيه المحلي بالإقليمي، والسياسي بالعسكري.
من التفاهم إلى التصعيد
بدأت الأحداث في 12 تموز الماضي على خلفية توترات محلية بين أبناء المحافظة وبعض العشائر البدوية في حي المقوس، قبل أن تتطور إلى مواجهات مسلحة.
تدخلت القوات الحكومية لمحاولة احتواء النزاع، لكن تدخلها تزامن مع اتهامات بارتكاب تجاوزات بحق مدنيين من الطائفة الدرزية، ما فجر ردود فعل غاضبة من فصائل محلية كانت في السابق على تنسيق مع مؤسسات الدولة.
وخلال أيام قليلة، تحولت السويداء إلى ساحة مفتوحة: انسحبت القوات الحكومية بعد ضربات إسرائيلية، وتزايدت عمليات الانتقام، فيما هرعت عشائر مجاورة لدعم أبناءها في المحافظة.
تلك الديناميكية السريعة كشفت هشاشة التفاهمات السابقة، وأظهرت أن أي خلل في التوازن المحلي يمكن أن يفتح الباب أمام تدخلات أوسع.
بين الرسائل الغامضة والقراءة الخاطئة
تقول مصادر دبلوماسية إن الحكومة السورية اعتقدت أنها تتحرك ضمن إطار تفاهم دولي يسمح لها بإعادة بسط سيادتها على الجنوب.
رسائل غير مباشرة من واشنطن، وأجواء من “الضوء الأخضر” المزعوم، دفعت دمشق للاعتقاد أن إعادة الانتشار جنوباً لن تواجه اعتراضاً جدياً.
لكن الرد الإسرائيلي كان سريعاً وحاداً، ما أعاد رسم خطوط الردع وأظهر أن “الجنوب السوري” لا يزال تحت حسابات دقيقة تتجاوز الحدود السورية.
ويرى باحثون أن عبارة “الفخ” التي استخدمها الوزير الشيباني تعكس محاولة سياسية لإعادة توصيف الموقف بعد فشل الرهان على توافق دولي غامض.
فـ “الفخ”، بحسبهم، لم يكن مؤامرة مدبرة بقدر ما كان سوء فهم متبادل لتوازنات القوى، واندفاعاً مفرطاً في قراءة الإشارات الخارجية.
عقدة الجنوب ومخاوف إسرائيل
بالنسبة لإسرائيل، يبقى الجنوب السوري خطاً أحمر لا يمكن تغييره دون موافقتها. مصادر أمنية غربية تشير إلى أن تل أبيب رأت في التحرك السوري نحو السويداء تهديداً لمعادلة الردع القائمة، خصوصاً مع انتشار وحدات عسكرية جديدة قرب الحدود.
لذلك كانت الضربات الإسرائيلية الأخيرة “رسائل محسوبة”، هدفها إعادة ضبط الإيقاع لا فتح جبهة جديدة.
في المقابل، يقول باحثون سوريون إن تل أبيب استغلت الانتهاكات التي وقعت خلال تدخل القوات الحكومية لتبرير تدخلها العسكري، مقدّمة نفسها كـ”حامية للطائفة الدرزية”.
بهذا المعنى، احتفظت إسرائيل بورقة ضغط رمزية يمكنها استخدامها في أي تفاوض لاحق حول الجنوب، وهو ما يمنحها نفوذاً سياسياً دون الحاجة لوجود عسكري واسع.
الشق الداخلي... الثقة المفقودة
على الصعيد المحلي، يواجه الجنوب أزمة ثقة عميقة بين الحكومة والفعاليات الأهلية.
فشلت التفاهمات التي عقدها بعض الوجهاء في حماية المدنيين أو ضمان التزام الفصائل بوقف التصعيد.
ويقول باحث في شؤون الأمن إن “الانقلاب المفاجئ” على الاتفاقات الداخلية، وتبدل مواقف بعض القيادات المحلية، كانا أحد أهم أسباب انهيار الترتيبات الميدانية.
إحدى الناشطات من السويداء تقول إن “الناس لم يعودوا يثقون بالوعود، لا من الحكومة ولا من القوى الأجنبية”، مضيفة أن المحافظة “دفعت ثمن كونها ساحة تجاذب بين مشاريع لا تعبّر عن أبنائها”.
ما وراء الفخ... فرصة لإعادة التموضع
رغم قسوة النتائج، يرى بعض المحللين أن ما جرى يمكن أن يشكل نقطة انعطاف.
فدمشق – بحسب هؤلاء – قادرة على تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة صياغة علاقتها بالمجتمع المحلي، شرط الاعتراف بخصوصية السويداء وإشراك وجهائها في إدارة شؤونها الأمنية والإدارية.
ويرى الأكاديمي السوري سمير العبد الله أن “المقاربة الواقعية” هي السبيل الوحيد لتفادي الانزلاق إلى صراع طويل، موضحاً أن “الاعتماد على القوة وحدها لن يحقق استقراراً، بل سيعيد إنتاج الأزمة”.
ويضيف أن الانفتاح على وساطات روسية وإقليمية، وربط الحل المحلي بتفاهمات أوسع على الحدود الجنوبية، يمكن أن يعيد لدمشق جزءاً من نفوذها السياسي دون الدخول في مواجهة مفتوحة.
مستقبل الجنوب... بين الهدوء والانتظار
اليوم، تسود حالة من الهدوء الحذر في السويداء، لكنها محمّلة بأسئلة ثقيلة: هل أخطأت الحكومة في الحساب؟ أم أنها كانت ضحية لتشابك المصالح الإقليمية؟
وبينما تلتزم إسرائيل الصمت بعد أن أعادت تموضعها العسكري، تتابع دمشق محاولاتها لترميم المشهد الداخلي، عبر إجراءات محدودة ضد شبكات الخطف والتهريب، مع وعود بإنعاش الخدمات.
لكن، كما يقول أحد الباحثين، “النجاة من الفخ لا تكون بالانسحاب، بل بفهمه جيداً”.
فما جرى في الجنوب ليس مجرد حدث عابر، بل درس سياسي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويؤكد أن الجغرافيا السورية ما تزال ساحة لاختبار توازنات القوى الإقليمية، كلٌّ بطريقته.