بينما تغرق محافظة السويداء في أزمات اقتصادية خانقة، تفجّرت خلال الأيام الأخيرة فضيحة فساد جديدة تتعلق بنهب المساعدات الإنسانية الموجّهة للأهالي المتضررين. شهادات محلية وتقارير من داخل الجمعيات الأهلية كشفت عن عمليات سرقة ممنهجة وتلاعب في توزيع المعونات، وسط غياب شبه تام لسلطة الدولة وتصاعد نفوذ الفصائل المسلحة.
وفق تقارير نقلتها قناة "الإخبارية السورية" وجمعيات محلية ناشطة، أكّد عاملون في عدد من الجمعيات تفشّي الفساد والسرقات أثناء عمليات توزيع المساعدات في السويداء، ما أدّى إلى تفاقم الأزمة الغذائية.
وقالت جمعية "عين الحكمة" في مقطع فيديو أثار ضجة على مواقع التواصل الاجتماعي إن “الناس تبكي من العازة”، متهمة لجان الإغاثة المحلية بتحويل المساعدات إلى سلعة للبيع بدلاً من توزيعها على المستحقين.
وتشير شهادات من داخل مراكز الإيواء إلى أن المساعدات تصل منقوصة أو تُنهب بالقوة من قبل ميليشيات تسيطر على المنطقة، ليُعاد بيعها في الأسواق بأسعار خيالية، في مشهد يعكس انهيار منظومة العدالة الإنسانية في واحدة من أفقر المحافظات السورية.
وذكرت تقارير محلية أن الفساد لم يقتصر على عمليات التوزيع اليومية، بل امتد ليشمل التبرعات الخارجية، إذ تم الاستيلاء على ما يزيد عن 160 مليون دولار من أموال المغتربين التي كانت مخصصة لدعم الأهالي والبنية التحتية منذ أواخر عام 2024، في واحدة من أكبر قضايا الفساد التي تشهدها المحافظة.
أثارت هذه الاتهامات موجة غضب بين أبناء السويداء الذين اعتبروا أن المساعدات تحوّلت إلى أداة إذلال لا تكريم. وانهالت التعليقات على مواقع التواصل تتهم اللجان المحلية والمشايخ وبعض قادة الفصائل بالتورط في سرقة المساعدات وتحويلها إلى مكاسب شخصية، تراوحت بين شراء شقق وسيارات وحتى تمويل نفوذ سياسي داخل المحافظة.
ويرى مراقبون أن تفاقم الفساد في توزيع المساعدات يعكس حالة الانقسام والفراغ الإداري في السويداء، حيث تتنازع الفصائل المسلحة والنخب المحلية السيطرة على الموارد، بينما تكتفي دمشق بإصدار بيانات عامة دون إجراءات ميدانية حقيقية.
تتزامن أزمة المساعدات مع استمرار تعقّد الملف السياسي للسويداء، في ظل تأكيد دمشق على موقفها ضمن البيان الثلاثي مع الولايات المتحدة والأردن الداعي إلى دمج السويداء ضمن الدولة السورية الموحدة، مقابل إصرار الزعيم الديني الشيخ حكمت الهجري على ما يسميه “حق تقرير المصير”.
وتأتي هذه التطورات بعد أشهر من اشتباكات عنيفة شهدتها المحافظة بين مسلحين دروز وعشائر من البدو في يوليو الماضي، ما كشف هشاشة الوضع الأمني وغياب الحلول السياسية المستدامة.
تُعد محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، واحدة من أكثر المناطق السورية تضرراً اقتصادياً منذ عام 2011.
وعلى الرغم من محدودية الدمار فيها مقارنة بمناطق أخرى، فإن الحصار الاقتصادي وتراجع الخدمات وانهيار مؤسسات الدولة جعلها تعتمد على التبرعات والمساعدات الخارجية التي أصبحت، بدورها، مصدراً جديداً للفساد والنفوذ.
ويُجمع محللون على أن استمرار هذا النهب المنظّم للمساعدات يهدد النسيج الاجتماعي في الجنوب السوري، ويزيد من عزلة السويداء عن محيطها الوطني، في وقت تحاول فيه دمشق فرض سيادتها الرمزية عبر وعود لم تُترجم بعد إلى أفعال.
بين الجوع والفساد، تبدو السويداء اليوم نموذجاً مصغراً لانهيار المنظومة الاقتصادية والسياسية في سوريا.
المساعدات التي كان يُفترض أن تخفف معاناة السكان تحوّلت إلى مصدر إذلال ونهب، فيما يواصل المواطنون ترديد عبارة تلخص مأساة الجنوب السوري:
“الناس عم تبكي من العازة، واللي سرقونا بعدهم عم يتقاسموا المساعدات”.