تشهد مدينة حلب في الأيام الأخيرة حراكاً أمنياً لافتاً يوحي بمرحلة جديدة من التفاهمات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في ظل زيارات متبادلة واجتماعات متواصلة تسعى إلى تثبيت ترتيبات ميدانية وإدارية في الأحياء الشمالية للمدينة.
ففي 21 من تشرين الأول، قام وفد من وزارة الداخلية السورية، برئاسة قائد فرع الأمن الداخلي في حلب محمد عبد الغني، بجولة ميدانية شملت حيي الأشرفية والشيخ مقصود، بمرافقة قياديين من قوى الأمن الداخلي التابعة لـ«قسد» (الأسايش).
ورغم أن الزيارة وُصفت رسمياً بأنها “تفقدية” لتعزيز التنسيق الأمني، إلا أن المعطيات الميدانية تشير إلى أنها جاءت في سياق خطوات تنفيذية لاتفاق أوسع نطاقاً تم التوصل إليه في وقت سابق بين الطرفين.
نحو تفاهم أمني شامل
مصادر ميدانية تحدثت عن اجتماعات مكثفة عُقدت خلال الأسبوع الأخير بين ممثلين عن الحكومة وقيادات من “قسد”، ركزت على وضع ترتيبات أمنية جديدة تشمل إعادة انتشار القوات وسحب الحواجز المشتركة من مداخل الأحياء المذكورة.
وبحسب التسريبات، من المقرر أن يتسلّم جهاز الأمن العام التابع لوزارة الداخلية إدارة النقاط الرئيسة في دواري الأشرفية الأول والثاني، على أن يتوسع وجوده تدريجياً خلال الأيام المقبلة.
في المقابل، ستسحب “قسد” جزءاً من قواتها إلى مناطق شرق الفرات، بينما ينضم نحو 250 عنصراً من قوى “الأسايش” إلى جهاز الأمن العام السوري، في خطوة تُعتبر مؤشراً على دمج تدريجي للعناصر المحلية ضمن المؤسسات الرسمية.
انسحابات وتبادل مواقع
الاتفاق الجديد يتضمن أيضاً إعادة تسليم حي السكن الشبابي شمال حلب إلى الإدارة المدنية، بعد أن كان يخضع لنقاط سيطرة تابعة لـ“قسد”.
وستجري عملية الانتشار وفق جدول زمني يمتد لعدة مراحل، تبدأ من الأشرفية باعتبارها “منطقة اختبار”، قبل الانتقال إلى الشيخ مقصود خلال مرحلة لاحقة، بوتيرة تقدم ميداني تدريجي كل ثلاثة أيام.
وفي موازاة هذه التحركات، أعادت قوى “الأسايش” فتح طريق الأشرفية عند حاجز مشفى اليوناني بالتنسيق مع إدارة الأمن العام، ضمن إجراءات وصفتها بأنها تهدف إلى “تسهيل حركة الأهالي وتعزيز الاستقرار”.
وتشير هذه الخطوة إلى أن التفاهمات دخلت فعلياً حيز التنفيذ الميداني ولو جزئياً.
إشارات من الطبقة
التحركات في حلب ترافقت مع نشاط مماثل في مدينة الطبقة بريف الرقة الغربي، حيث زار وفد أمني حكومي المدينة قبل أيام برئاسة اللواء عبد الغني، وجرى الحديث هناك عن تنسيق أمني مشابه في مناطق تتقاطع فيها السيطرة الإدارية والأمنية بين القوات الحكومية و”قسد”.
وخلال الزيارة، سلّم الوفد ستة من عناصر الجيش السوري الذين كانوا محتجزين لدى “قسد”، في خطوة فُهمت على أنها مبادرة حسن نية لتقريب المواقف.
اتفاق نيسان.. المرجعية الأساس
تأتي هذه التطورات استكمالاً لاتفاق وُقّع بين الطرفين في نيسان الماضي، تضمن 14 بنداً أبرزها:
خروج القوات العسكرية التابعة لـ“قسد” من الأحياء، الإبقاء على “الأسايش” كقوة أمن داخلي محلية، تبييض السجون بين الجانبين، فتح الطرقات وإزالة السواتر الترابية، وإعادة دمج المؤسسات المدنية في محافظـة حلب.
وقد نُفذ جزء من الاتفاق آنذاك بخروج أكثر من 900 عنصر من “قسد” وتبادل موقوفين على ثلاث دفعات، قبل أن تتوقف الإجراءات لأسباب تتعلق بالتوترات السياسية والأمنية في المنطقة.
اليوم، ومع عودة قنوات الاتصال بين الجانبين إلى النشاط، يبدو أن الملف الأمني في حلب يتجه نحو تسوية تدريجية، تقوم على توزيع الأدوار وتوحيد المرجعيات الميدانية، بما يضمن ضبط الوضع في مناطق التماس الحساسة.
اختبار الثقة
رغم أن الخطوات المعلنة لا ترقى بعد إلى اتفاق شامل، إلا أن المؤشرات المتزايدة توحي بأن الطرفين يسعيان لتجنب التصعيد والبحث عن صيغة إدارة مشتركة تحفظ مصالح كل منهما.
وإذا ما نجحت الترتيبات الميدانية الجديدة في الأشرفية، فقد تشكل نموذجاً لتفاهم أوسع يمتد إلى مناطق أخرى من الشمال السوري.
وبين الحذر والانتظار، تبقى حلب اليوم أمام اختبار توازن دقيق بين متطلبات الأمن واستحقاقات السياسة، في مشهد يُعيد رسم خرائط السيطرة بخطوات صغيرة، لكنها محسوبة.