توتر غير مسبوق في إدلب: حملة ضد “الغرباء” واتفاق لوقف النار في حارم

سامر الخطيب

2025.10.23 - 09:15
Facebook Share
طباعة

 شهدت مدينة حارم في ريف إدلب الشمالي خلال اليومين الماضيين تطورات أمنية متسارعة، إثر حملة موسعة نفذتها قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية في الحكومة الانتقالية، استهدفت ما يعرف بـ“مخيم الفرنسيين” أو “مخيم الغرباء”، الذي يضم عشرات المقاتلين الأجانب من الجنسية الفرنسية وعائلاتهم.


بدأت العملية ليل الثلاثاء – الأربعاء، بعد ورود معلومات أمنية تتعلق بوجود تهديدات من داخل المخيم، بالإضافة إلى تقارير تحدثت عن احتجاز طفلة فرنسية يُتهم الجهادي الفرنسي من أصل سنغالي عمر أومسين بخطفها. وذكرت مصادر أمنية أن العملية لم تستهدف الأجانب لذاتهم، بل جاءت لضبط المخالفات وفرض سلطة القانون داخل المنطقة التي يُعتقد أنها كانت خارج السيطرة الأمنية منذ فترة طويلة.


وخلال الساعات الأولى من الحملة، اندلعت اشتباكات عنيفة بين عناصر الأمن الداخلي ومقاتلي “فرقة الغرباء”، استخدمت فيها أسلحة خفيفة ومتوسطة، وأسفرت – بحسب المعلومات الأولية – عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين، إضافة إلى اعتقال عدد من المسلحين الفرنسيين. كما حلقت طائرات استطلاع من طراز “شاهين” فوق المنطقة لرصد التحركات الميدانية.


أهداف العملية وتداعياتها
قالت مصادر أمنية إن الهدف الرئيسي من العملية هو اعتقال عمر أومسين، وإنهاء نفوذه داخل المخيم الذي تحول خلال السنوات الماضية إلى ما يشبه منطقة مغلقة تضم مقاتلين فرنسيين وأفارقة، معظمهم قاتل سابقاً ضمن فصائل متشددة في شمال سوريا. وأكدت المصادر أن الحملة تأتي في إطار مساعٍ أوسع لتنظيم وجود المهاجرين الأجانب في إدلب، وضبط الأنشطة الخارجة عن القانون.

في المقابل، اعتبرت جهات قريبة من كتيبة “الغرباء” أن الحملة تهدف عملياً إلى تفكيك الكتيبة وتسليم بعض قادتها إلى فرنسا، في إطار تفاهمات أمنية دولية، بينما نفت السلطات المحلية وجود أي اتفاق من هذا النوع، مؤكدة أن الإجراءات “داخلية بحتة” وتتعلق بفرض النظام العام.


اتفاق ميداني لوقف إطلاق النار
ومع تصاعد التوتر واتساع رقعة الاشتباكات، أفادت مصادر محلية بالتوصل إلى اتفاق ميداني لوقف إطلاق النار بين جهاز الأمن الداخلي ومجموعة من المقاتلين الفرنسيين في مخيم الفردان بمنطقة حارم، برعاية وسطاء محليين وعدد من القيادات الشرعية.

وتضمّن الاتفاق سحب السلاح الثقيل من داخل المخيم وإعادته إلى الثكنات، ووقف الحملات الإعلامية التحريضية المتبادلة، إلى جانب إحالة ملف الخلاف إلى القضاء الشرعي في وزارة العدل للفصل فيه. كما نص على فتح المخيم أمام القوات الأمنية لتنظيم الوجود العسكري وضمان سلامة المدنيين، وخاصة النساء والأطفال.

وتحدثت مصادر أخرى عن دور وساطة فاعل للحزب الإسلامي التركستاني، الذي تدخل لاحتواء الموقف ومنع توسع المواجهات نحو مناطق أخرى في ريف إدلب الشمالي، وهو ما أسهم في استقرار نسبي للأوضاع الميدانية خلال الساعات اللاحقة.


تصريحات رسمية وتوضيحات
من جانبه، أوضح مستشار الرئيس السوري للشؤون الإعلامية أحمد موفق زيدان في منشور عبر منصة “إكس” أن الاشتباكات في حارم جاءت نتيجة رفض بعض الأشخاص الامتثال لسلطة القانون، مشدداً على أن التعامل مع هؤلاء “لا علاقة له بجنسيتهم أو انتمائهم”، بل هو تطبيق مبدأ المساواة أمام القانون.
وأكد زيدان أن “كل من يرفض النظام العام سيواجه الإجراءات ذاتها، سواء كان سورياً أم أجنبياً”، مضيفاً أن “سوريا اليوم تسعى لتثبيت صورة الدولة القانونية بعد سنوات من الفوضى الأمنية”.


خلفية عن “عمر أومسين” وفرقة “الغرباء”
يُعتبر عمر أومسين (45 عاماً) أحد أبرز المقاتلين الفرنسيين في سوريا. وُلد في فرنسا لأسرة سنغالية، وبدأ نشاطه كداعية على الإنترنت عام 2012 قبل أن ينتقل إلى سوريا في العام نفسه، حيث أسس لاحقاً كتيبة الغرباء التي ضمت مقاتلين فرنسيين وأفارقة.
شارك أومسين في معارك ضد قوات النظام في جبال اللاذقية، وعُرف بدوره في تجنيد شبّان فرنسيين، ما جعله أحد أكثر الأسماء متابعة لدى الأجهزة الأمنية الأوروبية.
وفي عام 2016، صنّفته وزارة الخارجية الأميركية “إرهابياً عالمياً”، كما تتهمه السلطات الفرنسية بتجنيد معظم الجهاديين الناطقين بالفرنسية الذين سافروا إلى سوريا والعراق.
اعتقلته “هيئة تحرير الشام” عام 2020 بسبب مخالفات شرعية وتنظيمية، وقضى نحو 17 شهراً في سجونها قبل أن يُفرج عنه لاحقاً، ليعاود الظهور في منطقة حارم حيث يتزعم مجموعة محدودة من المهاجرين الفرنسيين.


قراءة في المشهد
تُعد العملية الأمنية في حارم الأوسع من نوعها ضد المقاتلين الأجانب منذ سنوات، وتشير إلى توجه واضح نحو إعادة ضبط المشهد الأمني في إدلب، خاصة في المناطق التي تحولت إلى ملاذات شبه مغلقة للمهاجرين.
ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة قد تشهد خطوات إضافية لتقييد نشاط الجماعات الأجنبية، وسط ضغوط محلية ودولية متزايدة لضمان عدم تحول الشمال السوري إلى منطقة خارجة عن السيطرة.
ورغم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن التوتر لا يزال قائماً، مع استمرار التحشيدات في أطراف إدلب، ما يجعل الموقف قابلاً للتصعيد مجدداً في حال فشل تنفيذ بنود الاتفاق أو تعثر الجهود القضائية في ملف عمر أومسين.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 6