قصف الدوحة.. مقامرة نتنياهو التي فجرت الخلاف داخل إسرائيل والخليج

2025.09.12 - 12:45
Facebook Share
طباعة

في واحدة من أخطر العمليات العسكرية الإسرائيلية خارج حدود النزاع المباشر، قصفت تل أبيب مجمعًا سكنيًا في العاصمة القطرية الدوحة، مستهدفة اجتماعًا لقيادات من حركة حماس. ورغم أن العملية فشلت في تحقيق هدفها الرئيسي باغتيال خليل الحية، كبير مفاوضي الحركة، إلا أن ما سبقها من خلافات داخلية إسرائيلية يكشف عن أزمة عميقة في آلية اتخاذ القرار داخل حكومة بنيامين نتنياهو، الذي اختار المضي قدمًا في الغارة متجاهلًا تحذيرات أبرز أذرعه الأمنية.

 

قطر بين الوساطة والصدمة

قبل الضربة بساعات، كانت الدوحة تستضيف اجتماعًا حاسمًا بين رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني والقيادي في حماس خليل الحية لمناقشة المقترح الأمريكي لوقف إطلاق النار.
انتهى اللقاء عند التاسعة والنصف مساء الاثنين، لكن قنوات الاتصال لم تتوقف، إذ واصل المفاوضون القطريون اتصالات مباشرة مع نظرائهم الإسرائيليين حتى الفجر. حماس طلبت مهلة 12 ساعة للرد، ما أعطى انطباعًا بأن الدوحة على أعتاب انفراجة تفاوضية.

لكن إسرائيل كان لديها مسار آخر. فبينما كانت الوساطة قائمة، كانت طائراتها الحربية تستعد للإقلاع، وفق خطة وُضعت قبل أسابيع ورأت القيادة السياسية أنها تستحق المجازفة حتى لو كانت قطر نفسها ساحة العملية.

 

تجاهل نتنياهو للتحذيرات

المفارقة أن القرار لم يكن محل إجماع داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

إيال زامير، رئيس الأركان، حذّر من أن العملية في توقيتها قد تقوّض جهود وقف إطلاق النار، وتعرّض حياة 48 رهينة إسرائيلي لا يزالون في غزة للخطر.

ديفيد برنياع، رئيس الموساد، الذي زار الدوحة مرارًا في إطار القنوات السرية، أبدى تحفظًا مماثلًا، مشيرًا إلى حساسية استهداف العاصمة القطرية التي تشكل مركزًا دبلوماسيًا عالميًا.


لكن نتنياهو، الذي يعتمد بشكل متزايد على حلفائه اليمينيين المتشددين في الائتلاف، همّش أصواتهما. بل إن برنياع استُبعد منذ فبراير من رئاسة فريق التفاوض لصالح رون ديرمر، المقرب من نتنياهو. وهكذا مُررت الموافقة الأولية مساء الاثنين، قبل أن يُعطى الضوء الأخضر النهائي يوم الثلاثاء.

 

الضربة الجوية: أكثر من عشر مقاتلات

مع حلول بعد ظهر الثلاثاء، أقلعت أكثر من عشر طائرات إسرائيلية – يُعتقد أنها من طراز F-35I وF-15 وF-16 – نحو الدوحة، في عملية تشبه في مداها العمليات السابقة ضد إيران. الهدف كان "البيت الآمن" الذي يُفترض أن الحية ورفاقه يستخدمونه. لكن الضربة، التي أسفرت عن مقتل ستة أشخاص بينهم نجل الحية، لم تحقق مبتغاها الاستراتيجي.

بالنسبة لتل أبيب، العملية كانت "رهانًا عالي المخاطر" انتهى بنتيجة عكسية: لم يُقتل الهدف الأساسي، وأشعلت الضربة أزمة سياسية مع دول الخليج، بل وأدخلت العلاقات مع الإمارات في اختبار غير مسبوق بعد استدعاء سفير إسرائيل في أبوظبي.


صراع القرار بين الأمن والسياسة

تاريخيًا، شكّلت العلاقة بين القيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل توازنًا دقيقًا. لكن في عهد نتنياهو، تعمّقت الفجوة مع تصاعد نفوذ التيار اليميني الديني داخل الحكومة. تهميش قادة مثل زامير وبرنياع يعكس انتقال القرار الأمني من أيدي الأجهزة المحترفة إلى حسابات سياسية داخلية مرتبطة ببقاء الائتلاف.

النتيجة المباشرة كانت مجازفة عسكرية فاشلة، لكن الأبعد أنها هزت الثقة بين إسرائيل وبعض شركائها الإقليميين، وأظهرت استعداد نتنياهو للمضي في قرارات عالية المخاطرة حتى لو كانت على حساب المسارات الدبلوماسية.

 


غارة الدوحة لم تكن مجرد عملية اغتيال فاشلة؛ بل علامة فارقة على مسار متفجر في المنطقة. تجاهل نتنياهو لتحذيرات كبار مسؤوليه الأمنيين يضع إسرائيل أمام تحديات داخلية وخارجية متزايدة، فيما تدفع المنطقة ثمن مغامرة قد تكون بداية لانكشاف أكبر في العلاقة بين تل أبيب وجوارها الخليجي.

 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 10