من غزة إلى بروكسل: هل تغير العقوبات الأوروبية قواعد اللعبة مع تل أبيب؟

2025.09.10 - 03:56
Facebook Share
طباعة

في تحول لافت في الموقف الأوروبي من الحرب على غزة، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن خطط لفرض عقوبات على وزراء إسرائيليين وصفتهم بـ"المتطرفين"، مع تعليق جزئي للعلاقات التجارية والدعم الثنائي مع تل أبيب. هذه الخطوة التي وُصفت بأنها الأقوى من نوعها منذ سنوات، فجرت غضب الحكومة الإسرائيلية، حيث سارع وزير الخارجية جدعون ساعر إلى مهاجمة بروكسل، متهماً إياها بتبني خطاب "دعائي يخدم حماس".

 

كتب ساعر على منصة "إكس" أن تصريحات فون دير لاين "مؤسفة"، وأنها "تردد دعاية حماس وشركائها"، مضيفاً أن الاتحاد الأوروبي يرسل "رسائل خاطئة" تعزز موقف الحركة الفلسطينية والمحور الإقليمي الداعم لها. بالنسبة لتل أبيب، فإن العقوبات الأوروبية تمثل تحدياً سياسياً ودبلوماسياً في وقت تعيش فيه الحكومة الإسرائيلية تحت ضغط متزايد بسبب تداعيات الحرب وموجة الإدانات الدولية بعد قصف الدوحة.

 

في خطابها أمام البرلمان الأوروبي بستراسبورغ، قالت فون دير لاين إن المفوضية ستقترح فرض عقوبات على وزراء إسرائيليين متطرفين، وتعليقاً جزئياً لاتفاقية الشراكة التجارية مع إسرائيل. وأكدت أن الدعم المالي الثنائي سيُجمّد، مع استمرار دعم المجتمع المدني الإسرائيلي ومؤسسة "ياد فاشيم".

كما كشفت عن إنشاء مجموعة مانحين لدعم الفلسطينيين الشهر المقبل، بما يشمل آلية مخصصة لإعادة إعمار قطاع غزة. وأضافت أن "المجاعة من صنع البشر لا يمكن أن تستخدم كسلاح حرب"، في إشارة مباشرة إلى الحصار المفروض على القطاع.

 

محاولات سابقة داخل الاتحاد الأوروبي للحد من استفادة إسرائيل من برامج التمويل البحثي فشلت بسبب الانقسامات الداخلية، لكن موقف المفوضية الحالي يعكس رغبة متزايدة في التحرك بشكل منفرد لمحاسبة إسرائيل. ويعكس ذلك تغيراً في المزاج العام الأوروبي، حيث باتت صور المأساة الإنسانية في غزة تضغط بشدة على صانعي القرار.

 

على الصعيد الإسرائيلي: العقوبات تمثل إحراجاً دولياً لحكومة بنيامين نتنياهو، وتفتح جبهة خلاف جديدة مع حليف اقتصادي مهم.

على الصعيد الأوروبي: الاتحاد يسعى لإظهار نفسه لاعباً فاعلاً في وقف الكارثة الإنسانية بغزة، رغم الانقسامات بين أعضائه.

إقليمياً: تزامن الموقف الأوروبي مع الإدانات الأممية والعربية للهجوم على الدوحة يضع إسرائيل في موقع عزلة سياسية متزايدة.

 


الرد الغاضب من إسرائيل على تصريحات أورسولا فون دير لاين يكشف حساسية تل أبيب من أي ضغوط دولية قد تقوض شرعيتها أو تحد من حركتها العسكرية. لكن الجديد هذه المرة أن بروكسل لا تكتفي بالبيانات، بل تلوّح بعقوبات عملية قد تشكل سابقة في العلاقة مع إسرائيل. ومع تصاعد الإدانات الدولية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتحول الخطوات الأوروبية إلى سياسة رادعة طويلة المدى، أم ستظل مجرد ورقة ضغط رمزية في ظل الانقسام الغربي حول الحرب؟


أوروبا وإسرائيل بين الشراكة والضغوط

ترتبط إسرائيل بالاتحاد الأوروبي بعلاقات مؤسسية ممتدة منذ توقيع اتفاقية الشراكة الأوروبية – الإسرائيلية عام 1995، والتي دخلت حيز التنفيذ عام 2000، مانحة تل أبيب أفضلية تجارية واسعة مع أكبر تكتل اقتصادي في العالم. ومنذ ذلك الحين، ظلت بروكسل شريكاً اقتصادياً أساسياً لإسرائيل، حيث يعد الاتحاد الأوروبي أكبر سوق للصادرات الإسرائيلية بعد الولايات المتحدة.

ورغم أن التعاون الاقتصادي والعلمي ظل يتقدم بوتيرة متصاعدة، إلا أن الملف الفلسطيني كان دائماً نقطة توتر في العلاقة. ففي كل جولة تصعيد عسكري كبرى، كانت بروكسل تصدر بيانات إدانة أو دعوات لوقف إطلاق النار، دون أن يرافقها إجراءات عملية ضد إسرائيل.

لكن التطورات الأخيرة في غزة منذ حرب 2023 – 2025 مثّلت نقطة انعطاف حادة. فالتقارير الأممية والحقوقية عن المجاعة المصطنعة، وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، وامتداد الصراع إلى قصف الدوحة، كلها أحداث دفعت الرأي العام الأوروبي إلى الضغط على مؤسساته لوقف التعاون مع تل أبيب.

وقد حاولت بعض الدول الأوروبية في السنوات الماضية – خاصة إيرلندا وإسبانيا وبلجيكا – الدفع باتجاه ربط العلاقات مع إسرائيل بمسار سياسي حقيقي لحل الدولتين، لكن المعارضة القوية من حكومات أخرى مثل ألمانيا والمجر حالت دون تبني سياسة موحدة صارمة.

ما يحدث اليوم يعكس تحوّلاً جديداً: فالمفوضية الأوروبية، برئاسة أورسولا فون دير لاين، اختارت استخدام أدواتها التنفيذية المباشرة لتجميد الدعم الثنائي وطرح العقوبات على الوزراء الإسرائيليين، حتى في ظل غياب إجماع كامل داخل الاتحاد.

هذا التحول قد يؤذن بمرحلة جديدة في العلاقات الأوروبية – الإسرائيلية، حيث لا يقتصر الضغط على الخطاب السياسي، بل يتعداه إلى إجراءات اقتصادية ودبلوماسية، الأمر الذي قد يضع إسرائيل أمام عزلة تدريجية في المحيط الأوروبي إذا استمرت الحرب على غزة بنفس الوتيرة.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 2