دخلت الأزمة بين الحكومة التركية والمعارضة منعطفاً خطيراً، مع فرض الشرطة حصاراً على مقر فرع حزب «الشعب الجمهوري» في إسطنبول، بهدف تنفيذ حكم قضائي بتعيين وصي لإدارة الفرع هذا التصعيد يكشف حجم الاحتقان السياسي والتوتر القانوني في البلاد، ويضع مستقبل الحزب ومكانته أمام اختبار شعبي وقضائي حاسم.
جذور التوتر السياسي:
بدأت الأزمة بعد قرار المحكمة الابتدائية في إسطنبول، في 2 سبتمبر، وقف رئيس فرع الحزب أوزغور تشيليك وأعضاء مجلس إدارته احترازياً، على خلفية طعن مقدم من أحد المندوبين حول نتائج المؤتمر العام الإقليمي ويطالب الطاعن بإلغاء الانتخابات الداخلية بسبب شبهات التلاعب، ما أدى إلى تعيين جورسال تكين وصياً على فرع الحزب.
يرى الحزب أن الإجراءات القضائية ليست مجرد تنظيم داخلي، بل تهدف إلى إضعاف المعارضة وإزالة أي تهديد انتخابي للرئيس رجب طيب أردوغان. الإجراءات طالت أيضاً رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، أبرز منافسي أردوغان، ما أثار احتجاجات شعبية واسعة.
أسباب التظاهر:
تجتمع أسباب التظاهر حول محورين رئيسيين:
1. السياسي: رفض الحزب ما اعتبره استهدافاً ممنهجاً للمعارضة واستغلال القضاء للضغط، مع اعتبار الهجوم على الحزب تهديداً للديمقراطية وحرية التعبير.
2. الرمزي والتاريخي: يمثل مقر الحزب في إسطنبول رمزاً لتأسيس الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك، ما دفع أنصاره للدفاع عنه كجزء من حماية مؤسسات الدولة وحقوق المواطنين، رغم حظر التجمعات.
أحداث المواجهات:
بدأت الاشتباكات ليلة الأحد بعد وصول آلاف من قوات مكافحة الشغب حول مبنى الحزب. حاولت الشرطة تنفيذ حكم تعيين الوصي باستخدام رذاذ الفلفل والغاز المسيل للدموع، فيما تصدى النواب وأعضاء الحزب لمحاولات الاقتحام.
أمضى عدد من نواب الحزب الليل داخل المبنى، بينما اعتصم أنصاره أمامه. وعقب الاشتباكات، أعلن رئيس الحزب أوزغور أوزيل إغلاق فرع إسطنبول وتخصيص مكتب خاص له، مع تقديم طلب لعقد مؤتمر عام استثنائي في 24 سبتمبر لاختيار إدارة جديدة، بالتوازي مع مؤتمر استثنائي آخر للمركز الرئيس في أنقرة في 21 سبتمبر.
إجراءات الحكومة والردود الرسمية:
فرضت السلطات قيوداً واسعة، تضمنت إغلاق الطرق وحظر المظاهرات والاعتصامات في ستة أحياء، إضافة إلى إبطاء الإنترنت وحظر الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي لمنع الدعوات للتظاهر.
وأكد والي إسطنبول، داود غول، أن الدعوات للتجمع غير القانونية تشكل مخالفة للقانون، فيما شدد وزير الداخلية علي يرلي كايا على اتخاذ إجراءات حازمة ضد أي تحريض على النزول إلى الشوارع. كما أعلنت وزارة العدل البدء في التحقيقات بشأن الأحداث.
ما ينتظر الحزب:
تظل الأزمة مفتوحة بعدة سيناريوهات:
تسوية قضائية: قد تؤدي جلسة المحكمة الابتدائية في أنقرة في 15 سبتمبر إلى تأكيد أو إلغاء الإجراءات القانونية ضد فرع الحزب في إسطنبول، ما قد يخفف حدة الاحتقان أو يزيده.
تصعيد شعبي: استمرار التجمعات والاعتصامات قد يؤدي إلى مواجهات أكبر، خصوصاً مع استنفار أنصار الحزب للدفاع عن المقر.
تأثير انتخابي: إذا تم فرض الوصاية على إدارة الحزب، فإن ذلك قد يضعف المعارضة أمام الانتخابات المقبلة، ويغير موازين القوى السياسية على المستوى المحلي والوطني.
تعكس الأحداث تعقيدات المشهد السياسي التركي، حيث تتقاطع النزاعات الداخلية للأحزاب مع المنافسة الانتخابية والضغط الشعبي، ويصبح مقر الحزب في إسطنبول رمزاً مركزياً في صراع القانون والسياسة والشارع.
تظل قدرة المعارضة على الصمود أمام التدابير القضائية والإدارية، واستجابة المواطنين للتحركات الشعبية، عوامل حاسمة لتحديد مسار الأزمة ومستقبل الديمقراطية التركية.