تتصاعد المخاوف الفلسطينية مع الكشف عن خطة أميركية إسرائيلية لإعادة تشكيل مستقبل غزة، تحمل في طياتها مشروع تهجير مقنن تحت شعار "الإعمار والاستثمار".
الوثيقة التي تداولتها إدارة ترامب تكشف عن خطة لوضع القطاع تحت وصاية أميركية لعقد كامل، مع عرض تعويضات مالية على سكانه مقابل مغادرتهم أراضيهم طوعاً، في خطوة قد تُعيد كتابة التاريخ الفلسطيني على أسس اقتصادية وسياسية بحتة، بعيداً عن حقوقهم الوطنية وحقهم في العودة إلى أرضهم.
تشمل الخطة، التي اطّلعت عليها صحيفة واشنطن بوست، تحويل كل أرض فلسطينية إلى "رمز رقمي" يمكن استبداله لاحقاً بشقة في مدن ذكية حديثة ستبنى داخل غزة، أو لاستخدامه كبداية جديدة خارج القطاع.
كما يُعرض على من يقرر المغادرة دفعة نقدية محددة تغطي الاحتياجات الأساسية لسنوات، بما يوحي بأن "الخيار الطوعي" هو الوسيلة العملية لإعادة تصميم التركيبة السكانية للقطاع.
ومع أن واضعي الخطة يروّجون لها باعتبارها مشروعاً استثمارياً ضخماً، يصل حجم رأس المال المتوقع إلى مئة مليار دولار، فإن الحقيقة تكشف البعد الاقتصادي ما هو إلا غطاء لمشروع سياسي أكبر: تهجير الفلسطينيين من مدنهم وتحويلهم إلى مستوطنين مؤقتين، وربما دائمين، في مناطق أخرى، تحت إشراف أميركي مباشر.
هذه السياسة، إذا ما أُعتمدت، تعيد إنتاج "نكبة ناعمة"، حيث تُمارس ضغوط على السكان عبر المال بدل القوة العسكرية المباشرة، والوعود الزائفة بدل الحقوق الثابتة.
تتزامن الخطة مع موقف إسرائيلي واضح يتمثل في رفض أي دور للسلطة الفلسطينية، واستمرار السيطرة الأمنية على القطاع، مع إعلان بعض الوزراء المتشددين عن نية ضم غزة بالكامل وفتح أبواب الهجرة الطوعية.
في هذا السياق، تبدو الوثيقة الأميركية بمثابة تآزر استراتيجي بين تل أبيب وواشنطن لإعادة هندسة المشهد الفلسطيني بما يخدم مصالحهما، على حساب الفلسطينيين وحقهم في أرضهم ووجودهم.
كما تعكس تصوراً أوسع لإدارة ما بعد الحرب، حيث تقدم الحكومة الأميركية نفسها كقوة وصاية، تتحكم في إعادة إعمار غزة، وتضع السكان أمام خيارات محددة مسبقاً.
الاقتراحات المعلنة تشمل أيضاً دراسة استقبال الفلسطينيين المرحّلين في دول نامية تعاني صراعات داخلية، مقابل اعتراف دولي بها، ما يضاعف الأبعاد الإنسانية والسياسية للمشروع ويجعل الخطر على الهوية الفلسطينية قائماً.
في المحصلة، يظهر أن ما يُسوق كخطة لإعادة الإعمار والتحول الاقتصادي لغزة، ما هو إلا مشروع إعادة توطين وتهجير فلسطيني مقنّن، يحمل في طياته مساراً خطيراً لإعادة تشكيل القطاع وفق رؤية أميركية إسرائيلية بحتة.