بين برلين ومدريد.. خطوط الصدع الأوروبية في مواجهة إسرائيل

وكالة أنباء آسيا

2025.08.30 - 11:43
Facebook Share
طباعة

مع استمرار الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه غارقاً في خلافات داخلية تعيق أي موقف موحد ضد إسرائيل. تصريحات رئيسة الدبلوماسية الأوروبية كايا كالاس بأن فرص فرض عقوبات "ضعيفة للغاية"، تكشف هشاشة الموقف الأوروبي أمام حرب باتت توصف دولياً بأنها كارثة إنسانية غير مسبوقة.

أوروبا بين المبدئية والمصالح

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة عقب هجوم 7 أكتوبر 2023، تباينت مواقف دول الاتحاد الأوروبي بشكل صارخ. بعض الدول، مثل أيرلندا وإسبانيا وبلجيكا، طالبت بوقف فوري للحرب وفرض إجراءات عقابية على إسرائيل، متذرعة بانتهاكاتها الصارخة للقانون الدولي. في المقابل، قادت ألمانيا والمجر وسلوفاكيا جبهة الرفض لأي عقوبات، مبررة ذلك بـ"الحق الإسرائيلي في الدفاع عن النفس".
هذا الانقسام يعكس، في جوهره، صراعاً بين تيارين: الأول يريد الحفاظ على صورة الاتحاد كفاعل أخلاقي وسياسي عالمي، والثاني يخضع لحسابات أمنية وتاريخية وعلاقات وثيقة مع تل أبيب، وخاصة برلين التي لا تزال أسيرة لعقدة "المحرقة".

محاولات تجاوز قاعدة الإجماع

الاقتراح الدنماركي الأخير، الذي دعا لاعتماد التصويت بالأغلبية المؤهلة بدلاً من قاعدة الإجماع، يكشف إدراك بعض العواصم الأوروبية لاستحالة اتخاذ قرارات موحدة في ظل الفيتو المتكرر من دول صديقة لإسرائيل. وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن شدد على ضرورة "الانتقال من الأقوال إلى الأفعال"، مقترحاً حظر استيراد منتجات المستوطنات في الضفة الغربية باعتبارها جزءاً من السياسة التجارية التي لا تخضع لقاعدة الإجماع.
ورغم وجاهة الطرح، فإن تمريره يواجه معارضة صلبة من برلين وبودابست، ما يجعل احتمالية تطبيقه ضعيفة في المدى القريب.

 

تزامناً مع هذه الانقسامات، يعيش قطاع غزة لحظة انهيار كامل. برنامج الأغذية العالمي أكد وصول الأوضاع إلى "نقطة الانهيار" مع تفشي المجاعة، في وقت يواصل فيه الجيش الإسرائيلي قصفه للقطاع تمهيداً لاحتلاله الكامل. وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو وصف الوضع بـ"المأساة المطلقة"، لكن هذا الوصف لم يُترجم إلى خطوات عملية.
المفارقة أن الاتحاد الأوروبي، الذي كان يفاخر بدوره في إرساء القانون الدولي الإنساني، يقف اليوم عاجزاً عن وقف حرب تسببت في سقوط عشرات الآلاف من الضحايا وتشريد الملايين.

إسرائيل.. مناورات داخلية وتجاهل الضغوط

على الرغم من تصاعد الضغوط الدولية وحتى الانقسامات داخل إسرائيل نفسها، يتمسك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بخيار الحسم العسكري، مدفوعاً باعتبارات سياسية داخلية ومحاولة استعادة هيبة الجيش الإسرائيلي بعد هجوم 7 أكتوبر. تل أبيب تدرك أن غياب موقف أوروبي موحد يتيح لها هامشاً واسعاً للمناورة، في ظل دعم أميركي مستمر وضوء أخضر ضمني من عواصم أوروبية نافذة.

تاريخ من التردد الأوروبي

منذ عقود، اتسم الموقف الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية بالتذبذب. ففي حين تبنى الاتحاد عام 1980 "إعلان البندقية" الذي أقر بحق الفلسطينيين في تقرير المصير، بقي عاجزاً عن تحويل مواقفه إلى سياسة ملموسة. التبعية للولايات المتحدة في الملفات الاستراتيجية، والانقسام الداخلي، جعلا أوروبا دائماً لاعباً ثانوياً في صراع الشرق الأوسط.
اليوم، يعيد مشهد العجز أمام غزة إنتاج التاريخ ذاته: مواقف إنسانية صاخبة بلا قوة ردع، وإسرائيل تستغل ذلك لترسيخ وقائع على الأرض.

 

تكشف التطورات الأخيرة أن الاتحاد الأوروبي، رغم حجمه الاقتصادي والسياسي، عاجز عن صياغة موقف موحد إزاء حرب غزة. الانقسامات بين دوله تحوّله من لاعب مؤثر إلى متفرج عاجز، فيما تستمر إسرائيل في حربها مستفيدة من هذا التشرذم. وبقدر ما تعكس هذه الأزمة مأساة الفلسطينيين، فإنها تكشف أيضاً أزمة هوية أوروبية عميقة: هل يبقى الاتحاد مجرد قوة اقتصادية صامتة، أم يملك يوماً الإرادة للتحول إلى فاعل سياسي حقيقي على الساحة الدولية؟
 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 10