في تطور لافت يعكس تنامي الضغوط القانونية والسياسية على إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، رفع محاميان في مجال حقوق الإنسان بالأرجنتين شكوى جنائية تطالب باعتقال نتنياهو فور وصوله البلاد، في حال تأكدت زيارته المقررة الشهر المقبل. التحرك يأتي في ظل سياق عالمي متصاعد يتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في غزة، ويعيد إلى الواجهة الجدل حول حدود الحصانة التي يتمتع بها قادة الدول أمام المحاكم الوطنية والدولية.
الشكوى التي تقدم بها المحامي الأرجنتيني رودولفو يانزون، إلى جانب مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان راجي صوراني، تستند إلى اتهام مباشر لنتنياهو بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها "الموت جوعا المتعمد" والاضطهاد والقتل. كما أشارت الدعوى إلى حادث وقع في 23 مارس الماضي وأسفر عن مقتل 15 شخصا، بينهم عمال إغاثة كانوا يساعدون ضحايا أحد التفجيرات.
التحرك القضائي الأرجنتيني ليس الأول من نوعه؛ إذ سبق لجمعية العاملين بالدولة ومنظمة "إتش.آي.جيه.أو.إس" الحقوقية أن تقدمت بمذكرة مماثلة في أغسطس، ما يعكس تصاعد الضغط الشعبي والمؤسساتي داخل الأرجنتين، الدولة التي تعد تاريخيا من أبرز معاقل القانون الدولي في أمريكا اللاتينية بعد تجربتها القاسية مع الديكتاتورية العسكرية في السبعينيات.
في المقابل، لم تؤكد الحكومة الإسرائيلية رسميا زيارة نتنياهو إلى الأرجنتين، فيما تحدثت صحيفة "كلارين" عن احتمال أن يلتقي بالرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك بدلا من زيارة بوينس آيرس.
في السياق الدولي هذا التطور يندرج ضمن سلسلة من الضغوط القضائية الدولية؛ إذ تواجه إسرائيل اتهامات بالإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، بينما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق نتنياهو بتهم ارتكاب جرائم حرب. لكن رغم هذه التحركات، ما زالت العقبات القانونية والسياسية كبيرة، خصوصا مع وجود دول – مثل هنغاريا – امتنعت مؤخرا عن تنفيذ مذكرة اعتقال الجنائية الدولية بحق نتنياهو خلال زيارته إلى بودابست.
التحرك القضائي في الأرجنتين يحمل بعدين:
1. رمزي – سياسي: يعكس إدانة متزايدة لإسرائيل في الرأي العام العالمي، وخاصة في أمريكا اللاتينية ذات الموروث الحقوقي القوي والمتعاطف تقليديا مع القضية الفلسطينية.
2. قانوني – عملي: رغم صعوبة توقيف رئيس وزراء أجنبي أثناء زيارة رسمية، إلا أن هذه الشكاوى تضع نتنياهو تحت حصار قضائي متزايد، يحد من تحركاته ويجعل كل زيارة خارجية محفوفة بالمخاطر.
هذا المسار قد يشكل بداية لتراكم ملفات قضائية تضيق الخناق على إسرائيل دبلوماسيا، وتكشف اتساع الهوة بين الغرب الداعم تقليديا لتل أبيب وبين قوى جنوب العالم التي تسعى لتفعيل آليات العدالة الدولية.
منذ تأسيس إسرائيل عام 1948، واجه قادتها اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة ضد الفلسطينيين، لكن نادرا ما وصل الأمر إلى مطالبات فعلية باعتقال رئيس وزراء إسرائيلي أثناء تواجده خارج البلاد. اليوم، ومع الحرب على غزة وما خلفته من عشرات آلاف الضحايا المدنيين، يبدو أن نتنياهو يواجه أخطر عزلة قانونية ودبلوماسية في تاريخ إسرائيل، قد تجعل من أي رحلة خارجية "مقامرة" غير مضمونة العواقب.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يواجه فيها قادة إسرائيل تهديدات قضائية خارج حدودهم:
أرييل شارون (2001): محكمة بلجيكية تلقت دعوى تتهمه بارتكاب جرائم حرب في مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982. لكن الضغوط السياسية والقيود القانونية حالت دون محاكمته.
تسيبي ليفني (2009 – 2011): وزيرة الخارجية السابقة صدرت بحقها أوامر اعتقال في بريطانيا على خلفية دورها في حرب غزة 2008-2009، ما اضطرها إلى إلغاء زيارة إلى لندن.
مسؤولون عسكريون إسرائيليون: عدة قادة عسكريين ألغوا سفرهم إلى دول أوروبية خشية توقيفهم بناء على شكاوى رفعتها منظمات حقوقية.
هذه السوابق تعكس مسارا متصاعدا لمحاولات إخضاع إسرائيل للمساءلة القانونية، وإن كانت تصطدم دوما بعقبات سياسية وضغوط دبلوماسية غربية تحمي تل أبيب من المحاسبة.